الأربعاء - 17 يونيو 2026
منذ يوم واحد
الأربعاء - 17 يونيو 2026

رياض الفرطوسي ||

 

 

 

لم يكن أفول التاريخ العثماني وبسط عباءته عن المشرق سوى بداية لارتداد حضاري أشد قسوة؛ إذ سارع العقل الجمعي العربي إلى سد الفراغ الروحي والسياسي باستبدال الولاء الديني الأعمى بعبادة وثن مستحدث أطلقوا عليه “الدولة القومية”.

وضمن أدبيات حماسية صاغها منادون بالبعث والوحدة مثل ميشيل عفلق وجمال عبد الناصر، صعدت تيارات حزبية حولت الفكرة السياسية إلى عقيدة دنيوية مقدسة، لا تقل تزمتاً وإقصاءً عن الفكر الثيوقراطي المتطرف.

وفي هذا الفضاء المشحون بالقداسة المصطنعة، تحول مجرد الاختلاف في الرأي مع النخبة الحاكمة إلى جناية كبرى وخيانة عظمى عقابها المحو، والإعدام، والتشريد، والنفي وراء الحدود.

هذه التجربة الكارثية تحاكي بعمق ما شرّحته الفيلسوفة الألمانية هانا أرندت في تفكيكها لآليات الأنظمة الشمولية، حيث يجري تجريف الفرد تماماً وإلغاء كينونته الحرة لصالح هيمنة “المجموع” الأيديولوجي، وهو ما تجسد بدقة في التجربة الفاشية والنازية حين قادت عبادة الدولة ونقاء العِرْق البشريةَ جمعاء نحو محرقة وجودية غير مسبوقة.

ولم تكن نهايات التجربة القومية العربية بمنأى عن هذا المصير؛ إذ تهاوت الشعارات البراقة عند أول اختبار حقيقي، لتتحول البنادق التي صُنعت لتحرير الأرض إلى صدور الأشقاء في مغامرات عسكرية كغزو الكويت، وصولاً إلى انفجار الشارع في حراك “الربيع العربي” الذي هتك ستر الأوهام، وأثبت أن طعنات الاستبداد الداخلي كانت أشد فتكاً من مؤامرات الخارج.

إن هذا الانهيار المدوي لم يكن حتمية تاريخية، بل كان نتيجة حتمية لعطب هيكلي مأساوي في الممارسة السياسية؛ وهو ما لخصه المفكر عزمي بشارة في تحليله لافتراق النظرية عن الواقع، مؤكداً أن أفول المد القومي لم يحدث لخلل في الفكرة الأصلية، وإنما بسبب إدارة هذه الأنظمة ظهرها لبناء دولة المؤسسات والمواطنة الحقيقية.

لقد استبدلت السلطة القومية التنمية والحريات بالشعبوية الفجة، والخطاب العاطفي المخدر، وتضخيم القطاع العام لشراء الولاءات، مما أغرق الدول في مستنقعات الفساد، والترهل الاقتصادي، وتقديس الحزب والزعيم الملهم. وجاءت صدمة حزيران عام 1967 العسكرية لتعري عورات هذا النسق، وتكشف عجز نظام سياسي لم يحسن ترتيب أولوياته، فزج بجيشه في معارك جانبية باليمن واستنزف مقدراته، ووسّد القيادة لغير أهلها، معطلاً الحياة السياسية والتعددية تحت شعار مخادع: “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة”.

وحين فرغت الساحة وتآكلت الشرعية القومية، تشتت النخب بين الانكفاء أو الهجرة نحو الماركسية، مما خلق فراغاً عقائدياً هائلاً استغلته التيارات السلفية وحركات الإسلام السياسي كالإخوان المسلمين، وصولاً إلى ولادة النسخ الأكثر دموية وتوحشاً مثل تنظيم “داعش”. وبذلك عاد العقل العربي إلى مربعه الأول، مستبدلاً أدلجة العروبة بأدلجة الدين، وممارساً ذات الجور وشل التفكير الشجاع، وتبرير الفتك والتمثيل بالآخرين تحت مسمى “المقدس”.

في هذه الدوامة العبثية، تحولت الأوطان إلى معامل لإنتاج المسوخ، والمنافقين، والكائنات المرعوبة التي تتقن العيش بأقنعة التقية خوفاً من بطش السلطة. هنا يتجاوز مفهوم “المنفى” حدوده الجغرافية الضيقة ليتحول ( كما يرى المفكر إدوارد سعيد ) إلى أزمة وجودية وذهنية؛

فالمنفى الحقيقي ليس ابتعاداً عن تراب المولد، بل هو العيش داخل وطن لا يعترف بإنسانيتك، ولا يوفر لك الأمان، أو العيش الكريم، أو الحق في ممارسة الفرح والنزق الإنساني الطبيعي دون أن تلاحقك وصمات التخوين والردة.

وإذا ما قارنا هذا البؤس بالنموذج الإنساني في الغرب، سنلمس هوة فلسفية سحيقة؛ ففي المجتمعات التي تأسست على مفهوم العقد الاجتماعي والكرامة الإنسانية، تُسخّر الدولة أجهزتها ومؤسساتها الاجتماعية المدنية لتمسح شوارع المدن ليلاً، بحثاً عن المتشردين، والمنبوذين، والعشاق المنهارين، بهدف إنقاذهم واحتضانهم وتقديم الرعاية لهم كواجب أصيل ومسؤولية قانونية وأخلاقية.

في المقابل، نجد أن أجهزة الأمن في العالم العربي قد تفرغت لملاحقة الحالمين، والفلاسفة، والكتاب بتهمة تحريض الجماهير وإيقاظ الوعي، واقتحام غرف نومهم في عتمة الليل لإذلالهم وتهشيم كرامتهم أمام أسرهم. إنه الفارق الجوهري بين “الدولة الأم” الشفوقة التي تحمي مواطنها وتستوعب ضعفه الإنساني، وبين “دولة العصابة” التي تحكم بالسوط وتصنع استقراراً زائفاً يشبه أمن القبور الصامتة؛

حيث ينام المواطن تحت سياط الجوع والخوف، ليستيقظ على حقيقة مريرة: أنه لا يعيش في وطن، بل يقضي عقوبة مؤبدة داخل معتقل كبير.