الخميس - 18 يونيو 2026
منذ يومين
الخميس - 18 يونيو 2026

من سُكر الخمر إلى سكر الدينا..!

الشيخ قاسم ال ماضي ||

 

 

 

هل ما زلنا نعلم ما نقول في صلاتنا؟

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: 43].

قد تبدو هذه الآية للوهلة الأولى مرتبطة بحكم فقهي خاص بمرحلة من مراحل تحريم الخمر، إلا أن التأمل العميق في ألفاظها يكشف عن حقيقة تتجاوز الزمان والمكان، وتمس جوهر علاقة الإنسان بربه، بل وتمس أزمة الإنسان المعاصر في عبادته وحياته.

فالقرآن لم يقل: “لا تصلوا وأنتم سكارى”، وإنما قال: ﴿لا تقربوا الصلاة﴾. والفرق بين التعبيرين ليس يسيرًا؛ إذ إن النهي عن القرب أبلغ من النهي عن الفعل نفسه، لأنه يمنع الإنسان من الدخول في مقدمات الحالة التي تفسد العبادة. وهذا الأسلوب القرآني يتكرر في مواضع أخرى، كقوله تعالى: ﴿ولا تقربوا الزنا﴾، حيث لم ينه عن الزنا فحسب، بل نهى عن كل طريق يوصل إليه.

إن القرآن هنا يؤسس لمبدأ عظيم في بناء الإنسان، وهو أن الوقاية تسبق العلاج، وأن إصلاح البدايات يحفظ النهايات.

لكن المدهش في الآية ليس النهي عن السكر فحسب، وإنما تعليل هذا النهي بقوله تعالى: ﴿حتى تعلموا ما تقولون﴾. فالعلة التي يذكرها القرآن ليست مجرد غياب الخمر عن الجسد، بل حضور الوعي في القلب والعقل. فالصلاة ليست ألفاظًا تُتلى، ولا حركات تؤدى، وإنما هي وقوف بين يدي الله تعالى، لا يليق به الغفلة ولا شرود الفكر.

إن الإنسان السكران لا يعلم ما يقول، ولذلك لا يكون مهيأً للخطاب مع الله. ولكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: كم من المصلين يعلمون حقًا ما يقولون في صلاتهم؟

كم من إنسان يقرأ الفاتحة ولسانه يتحرك وقلبه غائب؟ وكم من مصلٍ يردد: “إياك نعبد وإياك نستعين” بينما قلبه متعلق بغير الله؟ وكم من قائم بين يدي ربه، إلا أن عقله يطوف في الأسواق، أو في العمل، أو في حسابات المال، أو في مشكلات الحياة؟

لقد نهت الآية عن سُكر الخمر لأنه يحجب العقل، غير أن للإنسان أنواعًا أخرى من السكر لا تقل خطرًا عن سكر الشراب، وإن اختلفت عنه في الحكم الفقهي. فهناك سُكر المال، وسُكر المنصب، وسُكر الشهوة، وسُكر الهموم، وسُكر الانشغال بالدنيا. وقد يقف الإنسان في صلاته وهو في كامل وعيه الظاهري، لكنه غائب القلب، مشتت الفكر، أسير لما يشغل باطنه.

ولعل من أخطر أنواع السكر في عصرنا الحديث ذلك السكر الرقمي الذي فرضته الشاشات الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي. فالإنسان المعاصر يستيقظ على هاتفه وينام عليه، ويتنقل بين الرسائل والأخبار والمقاطع القصيرة والإشعارات المتتابعة حتى أصبحت هذه الوسائل تستحوذ على انتباهه وتستهلك حضوره الذهني.

ولم تعد المشكلة في امتلاك التقنية، بل في أن التقنية بدأت تمتلك الإنسان نفسه. فأصبح كثير من الناس يدخلون إلى الصلاة وأذهانهم ما زالت معلقة بما رأوه قبل دقائق على الشاشة؛ فتزاحم الصورُ الآياتِ، وتغلب الإشعاراتُ الأذكارَ، ويصبح حضور الجسد في الصلاة أقوى من حضور القلب.

إن أخطر ما يواجه الإنسان اليوم ليس فقدان المعلومات، بل فقدان السكينة. فقد امتلأت العقول بالصور، لكن القلوب فرغت من التأمل. وكثرت وسائل الاتصال بالناس، وضعفت وسائل الاتصال بالله.

ومن هنا يمكن أن نفهم الآية الكريمة بفهم أوسع في بعدها التربوي والروحي؛ فكما أن السكر الحسي يمنع من الصلاة الواعية، فإن كل ما يسلب الإنسان حضوره القلبي ويمنعه من أن “يعلم ما يقول” يبتعد به عن روح الصلاة وإن بقيت صورتها الظاهرية.

إن الصلاة التي أرادها الله ليست مجرد أداء واجب، بل هي معراج للروح، ولقاء بين العبد وربه، وعودة إلى الذات وسط ضجيج الحياة. فإذا فقدت الصلاة روحها تحولت إلى عادة، وإذا غاب القلب عنها بقي الجسد يؤدي حركات لا تصنع التغيير الذي أراده الله لعباده.

ولهذا فإن الإنسان بحاجة دائمة إلى مراجعة نفسه: أين يذهب قلبي أثناء الصلاة؟ ما الذي يستولي على فكري أكثر من ذكر الله؟ كم أعطي لروحي من الوقت كما أعطي لجسدي؟ وإلى أين أمضي في هذه الحياة المتسارعة؟

إن أزمة الإنسان ليست في قلة الوقت، بل في ضياع الأولويات. وليست في كثرة الأعمال، بل في غياب المعنى. وربما كانت الصلاة هي الفرصة اليومية التي يمنحها الله للإنسان كي يستعيد نفسه قبل أن يفقدها في زحام الدنيا.

لقد نهت الآية عن الاقتراب من الصلاة حال السكر، لكن رسالتها الخالدة لكل زمان هي أن يقف الإنسان بين يدي الله بقلب حاضر وعقل واعٍ وروح متوجهة. فليست العبرة أن نصلي فحسب، بل أن نكون في صلاتنا حقًا.

ولعل السؤال الذي ينبغي أن يصاحب كل ركعة نسجد فيها ليس: هل أديت الصلاة؟ بل: هل علمت ما قلت؟ وهل كان قلبي حاضرًا مع الله أم غائبًا في طرق الدنيا؟

فقد نصلي جميعًا، ولكن ليس كل مصلٍ حاضرًا، وليس كل حاضرٍ واصلًا.