الأربعاء - 17 يونيو 2026

عندما تُخطئ القوة في فهم العقيدة: تحولات الحرب بين مرحلة الصدمة خلال الاثني عشر يوماً ومرحلة التماسك خلال الأربعين يوماً..!

منذ 3 أيام
الأربعاء - 17 يونيو 2026

كاظم الطائي _Nor ||

 

 

 

منذ الساعات الأولى للحرب، بدا واضحاً أن الولايات المتحدة وإسرائيل كانتا تراهنان على تحقيق تحول استراتيجي سريع من خلال الضربات المباغتة واستهداف القيادات المؤثرة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وقد استند هذا الرهان إلى قاعدة معروفة في الفكر العسكري الحديث، مفادها أن ضرب رأس المنظومة وشل مراكز القرار يؤدي إلى انهيار الجسد بأكمله أو على الأقل إدخاله في حالة من الفوضى والارتباك تمنعه من مواصلة المواجهة.

ظاهرياً، بدت الحسابات منطقية. فالدولة التي تتعرض لاغتيال قادتها واستهداف مراكزها الحساسة يُفترض أن تدخل مرحلة من الارتباك، وأن تنشغل بترميم جبهتها الداخلية بدلاً من التفكير في الرد أو الاستمرار. لكن ما حدث كشف عن فجوة عميقة بين فهم القوة العسكرية وفهم المجتمعات التي تتحرك بدوافع تتجاوز المصالح المادية المباشرة.

وهنا تكمن الإشكالية الحقيقية.

فالمؤسسات الغربية، رغم امتلاكها مراكز أبحاث عملاقة وأجهزة استخبارات متطورة وخبراء في علم الاجتماع والسياسة، غالباً ما تنظر إلى المجتمعات من خلال معايير مادية بحتة؛ توازنات القوة، الاقتصاد، حجم الخسائر، القدرة العسكرية، والمكاسب السياسية. لكنها كثيراً ما تعجز عن قياس عنصر آخر أكثر تعقيداً وتأثيراً، وهو العنصر المعنوي والعقدي الذي يمنح الشعوب قدرة استثنائية على الصمود.

إن بعض الشعوب لا تنظر إلى الصراع باعتباره نزاعاً سياسياً عابراً، بل تراه امتداداً لمسار تاريخي طويل، يحمل في طياته مفاهيم الشهادة والتضحية والصبر والثبات. وهذه المفاهيم ليست شعارات تُرفع عند الحاجة، بل جزء من الوعي الجمعي المتراكم عبر قرون. لذلك فإن ما يبدو في الحسابات العسكرية نقطة ضعف قد يتحول في الوعي الشعبي إلى مصدر قوة وحافز للمواجهة.

ولهذا السبب أخفقت توقعات كثيرة كانت تنتظر أن تؤدي الضربات إلى انهيار داخلي أو إلى شرخ بين الدولة والمجتمع. فبدلاً من أن تُضعف هذه الأحداث الروح العامة، ساهمت في إعادة إنتاج حالة من التماسك الوطني والشعور بالمظلومية والمواجهة المشتركة. بل إن بعض من كانوا يختلفون مع السلطة أو ينتقدونها وجدوا أنفسهم أمام معادلة مختلفة، حيث تحولت المواجهة الخارجية إلى عامل يوحّد أكثر مما يفرّق.

إن التاريخ مليء بالأمثلة التي تؤكد أن القوة العسكرية قادرة على تدمير البنية التحتية والجيوش، لكنها ليست دائماً قادرة على كسر الإرادة. فهناك فرق بين هزيمة جيش وهزيمة فكرة، وبين إسقاط نظام وإسقاط عقيدة، وبين قتل قائد وإنهاء القضية التي يمثلها. وهذا ما لم تستوعبه قوى كثيرة عبر التاريخ، من الإمبراطوريات القديمة إلى القوى العظمى الحديثة.

لقد أثبتت التجارب أن المجتمعات التي تؤمن بأن معركتها تتجاوز حدود الجغرافيا والمصالح الآنية تكون أكثر استعداداً لتحمل الخسائر، لأنها ترى في الصمود بحد ذاته شكلاً من أشكال الانتصار. وفي مثل هذه البيئات، لا تؤدي الضربات القاسية بالضرورة إلى الانهيار، بل قد تنتج أثراً عكسياً يتمثل في زيادة الالتفاف الشعبي وتعزيز الشعور بالمسؤولية الجماعية.

ومن هذا المنطلق، كنت أرى خلال الحرب أن معيار النصر الحقيقي لن يكون عدد الضربات ولا حجم الدمار ولا التفوق التكنولوجي، بل القدرة على تحقيق الأهداف السياسية والنفسية التي بدأت الحرب من أجلها. فإذا كان الهدف هو كسر إرادة الخصم وإجباره على التخلي عن قناعاته وخياراته الاستراتيجية، فإن النتائج اللاحقة أظهرت أن هذا الهدف لم يتحقق بالشكل الذي كان متوقعاً.

لهذا أرى أن الدرس الأهم الذي كشفت عنه هذه الحرب هو أن القوة المادية، مهما بلغت، تبقى عاجزة عن فهم كل شيء. فهناك شعوب تتحرك بمنطق مختلف، وتستمد قوتها من رواياتها التاريخية ومنظومتها الفكرية والعقدية. وعندما تدخل هذه الشعوب في مواجهة وجودية، فإنها لا تحسب الربح والخسارة بالطريقة نفسها التي تحسبها الدول الكبرى.

وعليه، فإن قراءتي السياسية للأحداث تقودني إلى نتيجة مفادها أن الرهان على الانهيار الداخلي كان رهاناً خاطئاً، وأن الحرب أثبتت مرة أخرى أن العقيدة الراسخة والهوية الجمعية قادرتان على امتصاص الصدمات وتحويلها إلى عناصر قوة. ومن هنا أجد أن الشعب الإيراني ومحور حلفائه خرجوا من هذه المواجهة وهم أكثر تماسكاً مما كان يتوقع خصومهم، الأمر الذي يجعل الحديث عن الانتصار أو الهزيمة مرتبطاً بالنتائج السياسية والمعنوية بقدر ارتباطه بالنتائج العسكرية.