الخميس - 18 يونيو 2026
منذ 5 أيام
الخميس - 18 يونيو 2026

رياض الفرطوسي ||

 

 

عندما تنحرف الوظيفة السياسية عن مسارها الخدمي لتتحول إلى مظلة تحمي مصالح فئوية ضيقة، نصبح أمام واقع مؤسسي معقد ينتج الأزمات بشكل دوري؛

واقع يتخذ من النظام السياسي القائم على المحاصصة والغنائم بمثابة البيئة الراعية، ومن البيروقراطية الإدارية المتهرئة الحاضنة التي تتولى توليد نماذج مكررة من المخالفات والتجاوزات على المال العام. هؤلاء الذين يتكاثرون في ردهات المؤسسات ليسوا مجرد حالات فردية معزولة، بل هم نتاج طبيعي لبيئة توفر لهم الحماية والغطاء.

وفي ظل هذه المنظومة المتكاملة، يغدو ذلك المشهد الاستعراضي المتمثل في تكديس جبال الأموال المستعادة أمام وسائل الإعلام محاولة بائسة لمعالجة القشور؛ إذ يعتمد هذا التكتيك على سيكولوجية الصدمة البصرية لإقناع الجمهور بأن الإجراءات حاسمة، في حين أن الغرض الحقيقي قد يكون تشويش الرؤية وحجب الشركاء الفعليين، وتقديم كبش فداء واهٍ يشتري صمت الشبكة بأسرها مقابل تسوية تمنحه مخرج طوارئ آمناً، وتشرعن قاعدة الخطأ ثم المساومة كطوق نجاة مستقبلي.

إن هذا التناسل المستمر للمخالفات لا ينمو في فراغ، بل يتغذى على ركائز نفسية واجتماعية وسياسية تحتاج إلى تفكيك موضوعي. فالسلوك الإداري المنحرف شرعن مبدأ التسويات، حيث يدرك المتجاوز أن العقاب ليس حتمياً بل هو صفقة قابلة للتفاوض تُشترى فيها البراءة بإعادة جزء ضئيل من المستحقات.

وتتجلى المأساة الاجتماعية هنا في الانهيار القيمي المتمثل في “التدين المظهري”، حيث يُستغل الخطاب الروحي في الفضاء العام كستار شرعي لتبرير النفوذ والاستئثار بالمقدرات، وهو ما يفسره علم الاجتماع بازدواجية المعايير، حيث تفيض الألسن بالنزاهة بينما تمتد الممارسات لنهب المقدرات، حتى بات الموظف النزيه يشعر بالغربة داخل دهاليز الإدارة العامة.

إن محاولة علاج هذا الخلل البنيوي بالحلول الترقيعية والتسكين المؤقت لن تؤدي إلا إلى ولادة جيل جديد من التجاوزات، لأن العقلية الإدارية التي أنتجت هذه الثغرات ووفرت لها البيئة، لا يمكنها أن تكون الأداة الصالحة للإصلاح، بل هي العلة الأساسية التي يجب تقويمها.

على النقيض من هذا الهدر الممنهج، نجحت المجتمعات الغربية في كبح جماح هذه الآفات وتجفيف منابعها، ليس لأن مسؤوليها يمتلكون حصانة أخلاقية ذاتية، بل لأنهم أرسوا قواعد مؤسسية صارمة تنطلق من مبدأ فصل السلطات الرقابية المشددة.

لقد أدرك الغرب أن النزاهة لا تُبنى على الوعظ والنوايا الحسنة، بل على بيئة إدارية نظيفة تحميها الرقابة المتبادلة، والشفافية الرقمية المطلقة، وسيادة قانون حازم يطبق على الجميع دون استثناء أو محاباة؛

فلا مساومات خلف الأبواب المغلقة، ولا خيارات تُمنح للمخالف سوى المحاسبة الشاملة ومصادرة الأصول وتطبيق القصاص القانوني.

هناك، تُصنع الاستقامة بقوة المؤسسة والأنظمة المفتوحة، بينما تضعف لدينا لأننا تركنا حماية المال العام لتقديرات شخصية وخطابات عامة تُستغل كغطاء لتمرير الصفقات وتأمين شبكات المصالح المشتركة على حساب مصلحة الدولة العليا.

لإجهاض هذا التناسل المستدام وتطهير الوظيفة العامة من هذه الممارسات، لا بد من الانتقال من مرحلة الترقيع المؤقت إلى إرساء ركائز عملية حاسمة وموضوعية.

تبدأ هذه الخطوات بتحرير الأجهزة الرقابية والقضائية تماماً من أي ضغوط سياسية، لتمتلك القدرة على فرض سلطة القانون دون قيد أو شرط، وإلغاء مبدأ التسويات المالية المقترنة بالإعفاء من العقاب، ووضع المخالف أمام تفعيل كامل للمحاسبة الجنائية ومصادرة الأموال المنهوبة بالداخل والخارج.

يتزامن ذلك مع الإسراع في التحول الرقمي الشامل لجميع المعاملات وحركة الأموال الحكومية لتقليل التدخل البشري وتجفيف منابع الكسب غير المشروع، بالتوازي مع إلغاء كافة المكاتب والهيئات الاقتصادية الواجهية التي تشكل المولد الحقيقي للفساد الممنهج.

إن استعادة هيبة الوظيفة العامة وبناء عقلية المسؤول الحقيقي هما خط الدفاع الأول، لأنه ما لم تُفكك عرى هذه الشراكة غير القانونية بين النفوذ والمال، ستبقى الحلول قاصرة وتستمر المؤسسات في إنتاج الأزمات ذاتها بوجوه جديدة.