الخميس - 18 يونيو 2026

يقدسون حجر كُتب عليه اسم عمر.. بينما محوا آثار النبوة وآل البيت عمدا..!

منذ 5 أيام
الخميس - 18 يونيو 2026

ضياء أبو معارج الدراجي ||

 

 

ضجّت المنابر الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي فرحاً بالعثور على حجر منقوش عليه اسم عمر بن الخطاب، واعتبره البعض حدثاً تاريخياً عظيماً يستحق الاحتفاء والترويج والتداول على نطاق واسع.

ولست هنا بصدد الاعتراض على الاهتمام بأي أثر تاريخي، فكل ما يتعلق بتاريخ الأمة الإسلامية يستحق الدراسة والتوثيق والحفاظ عليه. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة:

أين كانت هذه الحماسة عندما مُحيت معالم النبوة وآثار آل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من مكة والمدينة عمدا؟ وأين كانت الغيرة على التاريخ الإسلامي عندما أزيلت بيوت النبي وأهله وصحابته، وهُدمت القباب والمشاهد والآثار التي بقيت قروناً شاهدة على بدايات الإسلام؟

لقد أزيلت دار السيدة خديجة الكبرى في مكة، ذلك البيت الذي عاش فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع أم المؤمنين خديجة أكثر من خمسة وعشرين عاماً، وفيه نزل الوحي، ومنه انطلقت الدعوة الإسلامية الأولى، وفيه وُلدت السيدة فاطمة الزهراء وبقية أبناء النبي.

ذلك البيت الذي كان يمثل جزءاً من ذاكرة الإسلام الأولى اختفى أثره تماماً.

وأزيل الموقع التاريخي المنسوب إلى مولد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، كما هدمت معالم دار الأرقم بن أبي الأرقم التي احتضنت الدعوة الإسلامية في أيامها الأولى، وأزيلت بيوت ومواقع تاريخية عديدة ارتبطت بالصحابة وآل البيت.

وفي مقبرة المعلاة بمكة أزيلت القباب والشواهد التاريخية التي كانت قائمة على قبر أم المؤمنين السيدة خديجة عليها السلام، وعلى قبور عبد المطلب وأبي طالب وعدد من رجالات بني هاشم وأقارب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

أما في المدينة المنورة فكانت الخسارة أكبر وأشد إيلاماً.

ففي البقيع هُدمت القباب والمشاهد التي بقيت قائمة لمئات السنين فوق قبور الإمام الحسن المجتبى والإمام علي بن الحسين زين العابدين والإمام محمد الباقر والإمام جعفر الصادق عليهم السلام.

كما أزيلت المعالم القائمة على قبور زوجات النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقبر العباس بن عبد المطلب عم النبي، وقبور أبناء الرسول وبناته وأحفاده وكبار الصحابة والتابعين.

وهُدمت القباب التي كانت قائمة على قبور إبراهيم ابن رسول الله، والسيدة فاطمة بنت أسد والدة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، وعقيل بن أبي طالب، وعبد الله بن جعفر الطيار وغيرهم من شخصيات أهل البيت.

كما أزيلت أو تغيرت معالم مواقع تاريخية عديدة ارتبطت بالسيرة النبوية، ومنها أجزاء من مواقع غزوة الخندق، والمساجد التاريخية المعروفة بالمساجد السبعة، وعدد من المواقع التي شهدت أحداثاً مهمة في حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

ولم تسلم الآبار التاريخية من الإهمال أو التغيير أو فقدان طابعها الأثري، ومنها بئر أريس، وبئر غرس، وبئر حاء، وبئر بضاعة، وبئر الخاتم، وغيرها من الآبار التي ارتبطت بالنبي وأصحابه وتناقلتها كتب السيرة والحديث جيلاً بعد جيل.

ثم جاءت المشاريع العمرانية الحديثة لتبتلع ما تبقى من آثار مكة والمدينة القديمة، فحلت الأبراج العملاقة والفنادق الفاخرة والمجمعات التجارية الضخمة محل أحياء تاريخية كاملة، وأصبحت الخرسانة والزجاج تملأ المكان الذي كان يحمل ذاكرة القرون الإسلامية الأولى.

والمفارقة التي لا يمكن تجاهلها أن التبرير الذي قُدم لهدم كثير من هذه الآثار كان دائماً الخوف من تقديس غير الله.

فقيل إن وجود البيوت التاريخية والقباب والمشاهد قد يدفع بعض الناس إلى الغلو، وإن الواجب هو إزالة كل ما يمكن أن يتحول إلى موضع تعظيم أو تبرك.

وباسم هذا الشعار هُدمت القباب، وأزيلت البيوت، وطُمست الآثار، ومُحيت معالم ارتبطت مباشرة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وآل بيته.

لكننا اليوم نجد أنفسنا أمام مشهد مختلف تماماً.

حجر نقش عليه اسم إنسان يتحول إلى حدث استثنائي، وتُفتح له المنابر الإعلامية، وتُكتب عنه المقالات، ويُحتفى به وكأنه اكتشاف عظيم.

وهنا يحق للمسلمين أن يتساءلوا: إذا كانت آثار النبي وآل بيته يجب أن تُزال خشية أن يعظمها الناس، فلماذا لا ينطبق هذا المنطق على حجر يحمل اسم عمر؟ وإذا كان الحفاظ على بيت عاش فيه رسول الله أو بئر شرب منها أو قبر يضم أحد أهل بيته يعد باباً إلى الغلو كما يدّعي البعض، فكيف أصبح تقديس حجر يحمل اسم شخصية تاريخية أمراً مشروعاً ومحموداً؟

إن المشكلة ليست في الحجر ذاته، ولا في اسم عمر بن الخطاب، فالرجل شخصية تاريخية إسلامية معروفة، لكن المشكلة في ازدواجية المعايير.

فمن يهدم آثار النبي وآل بيته بحجة محاربة التقديس، ثم يقدس حجر يحمل اسم شخصية أخرى، يكون قد وقع في التناقض الذي حاول الهروب منه. فإما أن تكون الآثار كلها جزءاً من التراث الإسلامي يجب الحفاظ عليها، أو أن يكون المعيار واحداً على الجميع دون استثناء.

إن بيتاً عاش فيه رسول الله أولى بالحفظ من حجر كتب عليه بشر، وبئراً شرب منها النبي أعظم قيمة من نقش تركه إنسان، وموقعاً ارتبط بخديجة أو فاطمة الزهراء أو الحسن أو الحسين أو أئمة أهل البيت عليهم السلام أحق بالرعاية من أي أثر آخر.

فهؤلاء ليسوا رموز طائفة أو جماعة، بل هم قلب الرسالة الإسلامية وأقرب الناس إلى صاحبها.

إن الاحتفاء بحجر يحمل اسم عمر بعد عقود من الصمت على محو بيوت النبي وآل بيته وقبورهم وآثارهم يكشف تناقضاً واضحاً في طريقة التعامل مع التاريخ.

فحين يكون الأثر مرتبطاً برسول الله وأهل بيته يُرفع شعار الخوف من التقديس، وحين يكون الأثر مرتبطاً برمز آخر يصبح الحفاظ عليه والاحتفاء به عملاً محموداً.

إن الأمم الحية تحفظ ذاكرتها لأنها تحفظ هويتها، وأي ذاكرة في الإسلام أعظم من ذاكرة محمد وآل محمد؟ وأي أثر أولى بالحفظ من بيت سكنه رسول الله، أو قبر يضم أحد أهل بيته، أو موقع شهد نزول الوحي وبدايات الدعوة؟ لذلك يبقى السؤال قائماً:

كيف أصبح حجر يحمل اسماً أثمن عند البعض من بيت عاش فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ وكيف مُحيت آثار النبوة من الأرض، ثم يطُلب من المسلمين أن يفرحوا بحجر يحمل اسم غير النبي وآله؟

ذلك سؤال لن يستطيع التاريخ تجاهله، ولن يستطيع المنصفون الهروب من إجابته.

ضياء ابو معارج الدراجي