سبايكر ووصمة العار التي لم ولن يغسلها الماء..!
نور الجبوري ||

هناك فواجع يمر عليها الزمن فتدخل طيات التاريخ، وهناك مجازر تولد من رحم الغدر لتبقى حية في الوجدان، تنزف في كل حزيران وتصرخ في وجه الضمير الإنساني مستنكرة خسة الجناة. إنها “مجزرة سبايكر” (حزيران 2014)، الجريمة التي لم تكن مجرد حدث عابر، بل كانت زلزالاً أخلاقياً كشف عن أبشع صور النذالة والخيانة التي يمكن أن ترتكبها بشرية تدّعي الأصالة.
أكثر من 1700 شاب بعمر الورد، طاقات واعدة وأحلام بريئة تخرج من قاعدة سبايكر، يحملون قلوباً بيضاء ونوايا صافية، واهمين بأن في الأرض بقايا من مروءة. ساروا عزّلاً، بملابسهم المدنية، بعد أن أُعطوا مواثيق الأمان وعهود الكلمة. قيل لهم: “نحن أهلكم، ونحن عشائركم، وسنوصلكم إلى دياركم”؛ لكنها كانت المكيدة الأقبح في تاريخ العراق الحديث، مكيدة حيكت بأيدي من استبدلوا العقال بوشاح الغدر، والشهامة بسكين الذبح.
إن التفاصيل التي رافقت هذه الفاجعة تفوق قدرة العقل البشري على الاستيعاب؛ فلم يكن القاتل غريباً قادماً من وراء الحدود، بل تحول المجتمع المحلي في تلك البقعة بشيوخه، وشبابه، وحتى نسائه وأطفاله إلى جزارين يتقاسمون الضحايا كغنائم حرب!
توزعوا الشباب الأبرياء بين العشائر، وتنافسوا في نذالة من يسفك دماً أكثر، ومن يبتكر طريقة أشد قسوة في إزهاق الأرواح.
الكل شارك في المأدبة الدموية، والكل تلطخت يداه بدم طاهر لم يقترف ذنباً سوى انتمائه العقائدي؛ حيث سيقوا إلى حتفهم لمجرد أنهم “شيعة “.
وحين تضيق الأرض بالخائف، يلتفت غريزياً نحو بيوت العرب ينتخي بنخوتهم ويطلب حماهم. وهذا ما فعله بعض هؤلاء الشباب؛ ركضوا لاهثين، مرعوبين، واستجاروا ببيوت وعوائل تكريت، ظانين أن قيم “الدخيل” و”الأمان” لا تزال حية. لكن الصدمة كانت أشد من الموت نفسه؛ فبمنتهى الخسة والنذالة، جُرّد هؤلاء المستجيرون من الأمان، وسُلِّموا بدم بارد إلى سكاكين القتلة ورصاص الخيانة ليموتوا عطاشى على ضفاف النهر.
لقد سقطت الأقنعة وتهاوت تحت أقدام الضحايا كل شعارات العروبة الزائفة وأكاذيب “الأصالة العشائرية” التي صدعوا بها الرؤوس؛ فأي أصالة تبيح ذبح الضيف الأعزل؟ وأي شرف يرتضي تصفية آلاف الشباب غدراً على أبواب القصور؟ إن هذه الجريمة ستبقى وصمة عار أبدية تطوق جبين تلك العشائر التي تخلت عن شرف الكلمة ونامت على دماء الأبرياء، لعنة تاريخية لن تطهرها السنين ولن يغسلها ماء دجلة الذي صُبغ بالأحمر واكتسى بالخجل والأسى وهو يلفظ الجثث إلى المجهول.
ورغم مرور السنوات، لا يزال الجرح ينزف في كل بيت عراقي. خلف تلك الأرقام (1700 شهيد)، هناك آلاف الحكايات المبتورة: أمّ انطفأ نور عينيها وهي ترقب الباب، وأبٌ انحنى ظهره حسرةً، وزوجات وعوائل سُرقت أحلامهم في ليلة ظلمت فيها الإنسانية.
إن دم شهداء سبايكر هو الصرخة التي لن تخفت، والذاكرة التي لن تموت؛ أما القتلة والمتواطئون، فقد حجزوا مقاعدهم في أسفل درك من مزبلة التاريخ، يلاحقهم الخزي والعار، وتطارد أرواح الضحايا نسلهم إلى أبد الآبدين. ستبقى سبايكر قضية وطن، وجرح أمة، وعنواناً لغدر لن يغفره التاريخ.




