قال تعالى: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ..!
✍ السيد بلال وهبي ||

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)
قال تعالى: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ…﴿القصص: 85﴾
لقد اختار الله محمدًا (ص) للنبوة، واصطفاه لتبليغ الرسالة، وأنزل عليه القرآن الكريم آخر الكتُب السماوية والمهيمن عليها، وكَلَّفه الدعوة إلى عبادة الله الواحد الأحد، والكفر بالشركاء والأنداد، والأوثان والأصنام، وكل ما يرى لنفسه ألوهية أو ربوبية سوى الله.
لقد كان على رسول الله (ص) أن يقوم بنهضة تغييرية إصلاحية شاملة، وذلك يستلزم أن يخوض مواجهة شاملة وقاسية مع القوى النافذة في المجتمع آنذاك التي كانت مستفيدة من الواقع القائم، من عقائد وأفكار وتقاليد وأعراف التي تحفظ لها نفوذها وسيطرتها،
وهذا ما حدث بالفعل، فقد باشرت تلك القوى -من حين إعلان رسول الله دعوته- مواجهة شاملة معه، من الخطاب الإعلامي، إلى المقاطعة الاجتماعية، والحصار الاقتصادي والمالي، والتنكيل بأتباعه، حتى بلغت المواجهة أوجها بعزمهم على قتله أو حبسه أو إخراجه، وانتهى الأمر بهجرته المباركة.
لم تكن الهجرة من مكة سهلة على رسول الله (ص) ولا على أصحابه، فمكة مسقط رؤوسهم، ومهوى أفئدتهم، وهي من قبل ومن بعد أمُّ القرى، ومثابة للناس وأمْنًا، ففيها البيت الحرام، وإليها يُحَجُّ من أطراف الجزيرة العربية، ناهيك عمّا لهم فيها من ذكريات، وما تربطهم بها وبكل بقعة منها مشاعر وعواطف.
شأنهم في هذا شأننا جميعًا عندما نضطر أن نهاجر أو نُهجَّر من قرانا أو أوطاننا، حيث نجد الفراق صعبًا، ويظل الحنين إلى الديار متقدًا، ونظل نتلهف إلى العودة إليها عندما تسنح لنا الفرصة.
لهذا ولغيره يعِدُ الله رسوله الأكرم (ص) أن يردَّه إلى مكة التي خرج منها مضطرًا مُكرهًا، بعد أن أوصدت قريش أبوابها عليه حصارًا وأذىً، وتعذيبًا وتقتيلًا لأصحابه، فيؤكِّد له أنه لن يتركه للمشركين وقد فرض عليه القرآن وكلَّفة الدعوة إلى الله، وأنه سيردُّه إلى مكة منتصرًا بل فاتحًا في الموعد الذي قَدَّره، وفي الوقت الذي فرضه، وأنه إن خرج اليوم مطارَدًا من طُغاة مكَّة فإنه عائد إليها فاتحًا، قائلًا لأولئك الذين عاندوه وصدّوا الناس عنه وحاربوه، “اذْهَبُوا فَأَنْتُم الطُّلَقاءُ”.
وإن وعد الله لقائم لكل المؤمنين الصادقين الثابتين على إيمانهم وخياراتهم والسالكين في الطريق، طريق ذات الشوكة، والمُخرَجين عَنوَة وظُلمًا من ديارهم بسبب ثباتهم على مواقفهم، وإصرارهم على حقهم، وذودهم عن كرامتهم وعزِّتهم، وإبائهم الذلَّ والهَوان، وإنه ما من أحد يُؤذى في سبيل الله، فيصبر ويثبت ويستيقن بوعد الله، إلّا نصره الله في وجه الطغيان في النهاية، وأعانه على أعدائه حين يبذل ما في وسعه ويؤدي واجبه.
نحن اليوم –قارئي الكريم- قد نهضنا إلى تكليفنا في دفع العدوان عنا، وقاتلنا أعداءنا التزامًا بواجبنا الشرعي والأخلاقي والإنساني والوطني، وكان لذلك ولم يزل، كثير من الأثمان، من هجرة عن الأوطان، وتقديم القرابين المقدَّسة الطاهرة، ودمار في المنازل والممتلكات، لقد أدَّينا واجبنا هذا ولم نَذِل لعدو، ولم نَهِن رغم جسامة التضحيات، وفي قلوبنا يقين لا يشوبه شكّ أن كل ما قدمناه بعين الله، ولله، وما يكون لله فثوابه عليه، وثمرته يتكفَّل الله بها، والله يبلغ به الغاية التي نرجو،
وسنرجع إلى قرانا الطيِّبة الحبيبة في الموعد الذي ضربه الله في علمه الذي لا يتخلَّف، ذلك أن الذي فرض علينا أن ندافع عن كرامتنا ونذود عن عقيدتنا وأرضنا هو رادُّنا إلى معاد.
ولعلَّ أعظم ما تمنحنا إيّاه هذه الآية المباركة: (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ) أنَّها تُخرجنا من ضيق اللحظة الراهنة إلى سعة الوعد الإلهي،
فليس المعيار في ميزان الله ما نراه من خسائر عاجلة أو آلام حاضرة، وإنما المعيار أن نكون قائمين بوظيفتنا التي كلَّفنا الله بها، ثابتين على الحق الذي آمنّا به، غير متزلزلين أمام الشدائد والمحن.
فقد خرج رسول الله (ص) من مكة وليس في الظاهر ما يدلُّ على قرب عودته إليها، وكانت موازين القوى يومئذٍ تميل إلى أعدائه، ولكن وعد الله كان أصدق من ظاهر الواقع، وكانت إرادة الله أن تتحوَّل الهجرة نفسها إلى مقدمة للفتح، وأن يصبح الإخراج سبيلًا إلى التمكين، وأن تنقلب المحنة منحة، والابتلاء طريقًا إلى النصر.
✍ السيد بلال وهبي
فجر يوم الجمعة الواقع في: 12/6/2026 الساعة (04:05)




