قطعة أرض لكل عراقي… رسالة عتب انتظرت 23 عاماً..!
ضياء أبو معارج الدراجي ||

دولة رئيس الوزراء علي الزيدي..
أكتب إليك هذه الرسالة بعد ثلاثة وعشرين عاماً من الانتظار، لا لأطلب استثناءً، ولا منحة خاصة، ولا امتيازاً خارج القانون، بل لأروي لك قصة مواطن وكفاءة عراقية ساهمت مع آلاف غيرها في إعادة بناء مؤسسات الدولة بعد عام 2003، وما زالت حتى اليوم عاجزة عن الحصول على أبسط حق من حقوقها: قطعة أرض سكنية.
منذ عام 2003 وحتى اليوم، لم أجد عبارة أكثر تكراراً في الخطاب الحكومي من عبارة “قطعة أرض لكل عراقي”. سمعناها من حكومات متعددة، وقرأناها في بيانات رسمية، وشاهدناها في حملات انتخابية لا تنتهي، حتى تحولت من وعد إلى نكتة سياسية يتداولها العراقيون كلما أرادوا السخرية من الوعود المؤجلة.
لكن بالنسبة لي لم تكن نكتة، بل قصة عمر.
بدأت الحكاية عندما كنت موظفاً في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وتحديداً في الجامعة المستنصرية.
يومها كان الأمل معقوداً على مشروع مجمع البنوك السكني الخاص بمنتسبي الجامعة. كانت الأبنية ترتفع أمام أعيننا، وكانت الشقق تنتظر التوزيع وفق نظام النقاط والاستحقاق.
سقط النظام 2003، واحتلت الدولة، وتحولت الأبنية إلى هياكل مهجورة تعرضت للنهب والتخريب وسكنها الحواسم، وضاع معها أول حلم سكني في حياتي.
في عام 2007 غادرت وزارة التعليم العالي مستقيلا لأسباب أمنية، ثم أُعيد تعييني بسبب خبرتي البرمجية لإدارة مشروع الحكومة الإلكترونية في مكتب رئيس الوزراء، وبعدها أصبحت موظفاً مدنياً في مكتب القائد العام للقوات المسلحة.
هناك عاد الأمل من جديد.
كان قرار مجلس الوزراء رقم 21 لسنة 2005 يمنح موظفي الرئاسات الثلاث حق الحصول على قطعة أرض سكنية.
لكن العراق، للأسف، يستطيع أن يحول أبسط الحقوق إلى متاهة لا نهاية لها.
قيل لنا يومها إن مكتب القائد العام للقوات المسلحة لا يُعد من الرئاسات الثلاث، فضاع الاستحقاق.
وبعد أقل من ثلاثة أشهر فقط نُقل عملنا إلى مكتب رئيس الوزراء، فأصبحنا مشمولين بالقرار قانونياً، لكن الحلم بقي معلقاً بين اللجان والمخاطبات والكتب الرسمية.
خلال ثماني سنوات من عملي في مكتب رئيس الوزراء، دخل اسمي أكثر من مرة ضمن قوائم التوزيع.
وفي كل مرة كانت النهاية واحدة.
تنتهي الأراضي قبل وصول الدور إليّ بأسماء قليلة.
مرة اسم واحد.
ومرة اسمان.
ومرة ثلاثة أسماء.
وكأن هناك قدراً مكتوباً يمنعني من الوصول إلى قطعة الأرض التي استحقها قانونياً.
ثم جاءت حكومة حيدر العبادي، وتم الغاء مكتب القائد العام للقوات المسلحة ونقلنا إلى وزارة الدفاع العراقية، فتجمدت ملفات الأراضي، وضاعت سنوات أخرى من الانتظار.
ومع حكومة عادل عبد المهدي عاد الأمل مرة جديدة من خلال القرار 168 لسنة 2014 الذي شملني مع عدد من الزملاء.
ظننت أن النهاية اقتربت.
لكن احتجاجات تشرين واستقالة الحكومة دفنت الامل قبل أن يرى النور.
ثم جاءت حكومة مصطفى الكاظمي.
استأنفت الدولة توزيع الأراضي وفق القرارات السابقة.
قدمت طلباتي الرسمية واستكملت كل الإجراءات المطلوبة.
لكن اسمي شُطب مرة أخرى بحجة عدم وجود أراضٍ كافية.
استلم آخرون.
وبقيت أنا أنتظر.
ثم جاءت حكومة محمد شياع السوداني.
عاد اسمي مجدداً ضمن قوائم المستحقين.
كنت على بعد أيام من الاستلام.
لكن قراراً إدارياً مفاجئاً أطاح باسمي قبل أسبوع واحد فقط من التوزيع.
وحصل على الأراضي موظفون جدد لا يملكون سنوات الخدمة التي أملكها، ولا النقاط الوظيفية التي امتلكها.
بعدها ظهرت مدينة الفرسان السكنية باعتبارها الحل المنتظر.
صبرت كما صبرت دائماً.
وقلت إن الإنسان الذي انتظر أكثر من عقدين لا يملك ترف الاعتراض على الموقع أو الخدمات.
لكن السنوات مرت.
وبقي المشروع حبيس التصريحات والوعود.
وها نحن في عام 2026 نسمع من جديد الحديث عن منح قطعة أرض لكل عراقي.
دولة الرئيس..
إذا كنت أنا، الذي عملت في وزارة التعليم العالي، وفي مكتب القائد العام للقوات المسلحة، وفي مكتب رئيس الوزراء، وفي وزارة الدفاع العراقية، وحملت خبرة تقنية وإدارية ساهمت في بناء أنظمة ومشاريع الدولة الحديثة بعد انهيارها عام 2003، وامتلكت كتباً رسمية واستحقاقات قانونية واضحة، وعلاقات واسعة ضمن عملي الحكومي والاعلامي والصحفي لم أتمكن من الحصول على قطعة أرض واحدة خلال ثلاثة وعشرين عاماً، فكيف سيكون حال المواطن البسيط الذي لا يعرف نائباً ولا مسؤولاً ولا مديراً عاماً؟
بل إن القصة لا تقف عندي.
لدي ابنان من ذوي الاحتياجات الخاصة.
فُتحت لهما أبواب التقديم في عهد حكومة عادل عبد المهدي، ثم في مشروع داري خلال حكومة مصطفى الكاظمي، ورُفعت لهما معاملات متعددة ضمن برامج مختلفة في حكومة السوداني، لكنهما لم يحصلا حتى اليوم على قطعة أرض واحدة.
وفي الوقت نفسه، تتحدث الحكومات عن حل أزمة السكن.
أي حل هذا؟
مشاريع الإسكان التي غزت أطراف بغداد والمحافظات تحولت إلى مشاريع للأثرياء وأصحاب الدخول المرتفعة.
شقق تبدأ من 450 مليون دينار.
وأخرى تصل إلى مليار وملياري دينار.
وفلل تجاوزت ثلاثة مليارات دينار.
فكيف لموظف راتبه نصف مليون دينار أن يشتري منزلاً؟
وكيف لصاحب راتب الرعاية الاجتماعية أن يحلم أصلاً بالسكن؟
لقد أصبحت الأرقام نفسها تسخر من المواطن.
الدولة تعده بالأرض المجانية منذ أكثر من عقدين، ثم تعرض عليه وحدات سكنية لا يستطيع شراءها حتى لو ادخر راتبه طوال حياته.
بل إن المأساة وصلت إلى مرحلة أصبح فيها المواطن عاجزاً عن شراء أرض يسكنها، وعاجزاً أحياناً عن شراء أرض يُدفن فيها بعد وفاته، بعد أن ارتفعت أسعار المدافن والمقابر إلى مستويات غير مسبوقة.
دولة الرئيس علي الزيدي..
هذه ليست مطالبة شخصية.
إنها رسالة عتب باسم جيل كامل من الكفاءات والخبرات العراقية التي أسست مؤسسات الدولة الحديثة بعد عام 2003 من تحت الأنقاض.
جيل عمل في أصعب الظروف الأمنية والسياسية.
جيل بقي في دوائر الدولة عندما كان كثيرون يهربون منها.
جيل حافظ على استمرار المؤسسات والخدمات والإدارة الحكومية وسط التفجيرات والحروب والأزمات.
هذا الجيل يشعر اليوم بأنه أُهمل ونُسي وتراجع إلى آخر قوائم الاهتمام.
إن إنصاف الكفاءات لا يكون بالشعارات.
وإن تكريم أصحاب الخبرة لا يكون بخطب المناسبات.
وإن بناء الدولة لا يكتمل ما لم يشعر الذين بنوها بأن الدولة تتذكرهم وتحفظ حقوقهم.
بعد ثلاثة وعشرين عاماً من الانتظار لم أعد أسأل: متى سأحصل على قطعة أرض؟
بل أسأل:
هل ما زالت الدولة العراقية تنصف أبناءها الذين أعادوا بناء مؤسساتها بعد الانهيار، أم أن النفوذ والوساطات والمحسوبيات أصبحت أقوى من القانون والاستحقاق؟
هذا هو السؤال الذي ينتظر العراقيون جوابه.
ضياء أبو معارج الدراجي




