الخميس - 18 يونيو 2026

هل اقترب الطلاق الأمريكي الإسرائيلي ..قراءة في تحولات التحالف الاستراتيجي وأبعاد الخلاف العميق؟!

منذ أسبوعين
الخميس - 18 يونيو 2026

الكاتب والباحث والاكاديمي صلاح الاركوازي ||

 

 

إن لم يحدث الطلاق اليوم فأنه حتما سيحدث غداً {إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ۚ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ}.( سورة هود/ 81).

أمريكا تفكر جلياً الان من سبب فقدان وكسر هيبة أمريكا وفقدانها وخروج العشرات من القواعد العسكرية المتقدمة في شرق الاوسط ولاسيما في الدول العربية وكذلك فقدانها لاقوى ،احدث التكنلوجيات وحجم الاموال الضخمة التي ذهبت نتيجة التدمير الشامل للاسلحة المتطورة بكل أنواعها ( فضلاً عن العشرات من المسيرات وحصول الجمهورية على العديد من الاسلحة الحديثة والتي يمكن عن طريق الهندسة العكسية ألاستفادة منها ولاسيما القنابل الخارقة للاعماق ) فضلا عن مئات القتلى والجرحى والمعاقين ؟؟؟؟؟، كلها أسئلة يطرحها الشعب الامريكي قبل الادارة الامريكية.

ما بُنيَ على الباطل فهو باطل….. غالبية الشعب الامريكي وبتحريض من بعض الديمقراطيين بدأوا يتسائلون على اموال الضرائب التي يدفعونها ، وأن أمريكا تدافع عن الكيان الغاصب وليس عن أمريكا وبأموال الشعب الامريكي…. وسوف نناقش الموضوع من كل الجةانب وبحيادية وبمهنية.

مقدمة
إن تحالف فوق العادة بين أمريكا والكيان الغاصب على مدى عقود في مهب الريح ، وُصف التحالف الأمريكي الإسرائيلي بأنه “علاقة عضوية غير قابلة للكسر”، تحكمها قيم مشتركة ومصالح استراتيجية عليا وضمانة أمريكية مطلقة لأمن إسرائيل وتفوقها العسكري. ومع ذلك، فإن التطورات المتسارعة على الساحة الدولية والإقليمية، وتحديداً خلال الأعوام القليلة الماضية وحتى عام 2026، بدأت تطرح تساؤلاً لم يعد من قبيل المبالغة السياسية:

هل يقترب هذا التحالف الاستراتيجي من مرحلة “الطلاق”، أم أن ما يمر به هو مجرد أزمة مؤقتة وإعادة تعريف لخطوط التماس؟

للوقوف على حقيقة هذا التحول، يجب تفكيك المشهد عبر أبعاد بنيوية، سياسية، وعسكرية، تتجاوز السلوك اللحظي للحكومات لتصل إلى عمق التحولات الجيوسياسية.

أولاً: جذور التصدع وأسباب الخلاف الراهن
إن التوتر الحالي بين واشنطن وتل أبيب ليس نتاج صدفة، بل هو ثمرة تراكمات وصلت إلى ذروتها بفعل عدة عوامل:

انفراط الإجماع الحزبي في واشنطن: تاريخياً، كان دعم إسرائيل قضية عابرة للأحزاب في الولايات المتحدة. اليوم، بات هذا الدعم مادة للاستقطاب الحاد. بينما يحافظ الحزب الجمهوري على تأييد مطلق وغير مشروط، يشهد الحزب الديمقراطي – لا سيما الجناح التقدمي والقواعد الشبابية – تحولاً جذرياً نحو انتقاد السياسات الإسرائيلية، والمطالبة بربط المساعدات العسكرية بملف حقوق الإنسان.

تصادم العقائد السياسية: تواجه الإدارات الأمريكية المتعاقبة صعوبة بالغة في التعامل مع الحكومات الإسرائيلية الأكثر يمينياً وتطرفاً في تاريخ دولة الاحتلال. هذا التناقض يبرز في رفض إسرائيل المستمر للرؤية الأمريكية المتعلقة بـ “حل الدولتين”، وإصرارها على التوسع الاستيطاني، والضم الفعلي للأراضي، مما يضع واشنطن في موقف حرج دولياً ويهدد مشاريعها للتكامل الإقليمي.

إدارة الأزمات في الشرق الأوسط: ترى واشنطن أن السلوك العسكري والسياسي الإسرائيلي في الأزمات الأخيرة بات يفتقر إلى “استراتيجية الخروج” (Exit Strategy)، ويعتمد بدلاً من ذلك على خوض حروب استنزاف طويلة الأمد تنعكس سلباً على المصالح الأمريكية، وتجر المنطقة إلى مواجهة إقليمية شاملة لا ترغب فيها الولايات المتحدة.

ثانياً: مظاهر التباين الجيوسياسي والاستراتيجي
لا يتوقف الخلاف عند التصريحات الدبلوماسية، بل يمتد إلى ملفات استراتيجية حساسة:

1 – عبء السمعة الدولية (Reputational Cost)
باتت الولايات المتحدة تدفع ثمناً سياسياً وباهظاً في المحافل الدولية (مثل مجلس الأمن ومحكمة العدل الدولية) بسبب استخدامها المتكرر لحق النقض (الفيتو) لحماية إسرائيل. هذا الدعم المطلق بدأ يقوّض السمعة الأخلاقية والسياسية لأمريكا، ويُضعف قدرتها على حشد الدعم الدولي في ملفات أخرى صراعية حول العالم، حيث تُتهم واشنطن بـ “ازدواجية المعايير”.

2 – الخلاف حول هندسة الإقليم والأمن المشترك
بينما تسعى واشنطن صياغة نظام إقليمي مستقر يرتكز على التهدئة، وخفض التصعيد، والتركيز على مواجهة الصعود الصيني الروسي، تتجه البوصلة الإسرائيلية نحو تبني استراتيجيات هجومية مباشرة ومستمرة. هذا التباين يجعل إسرائيل تبدو في نظر قطاع من صناع القرار الأمريكيين كـ “عبء استراتيجي” وليس “ذخراً استراتيجياً”.

ثالثاً: عوائق “الطلاق الفعلي” (لماذا لا يحدث الانفصال التام) ؟
رغم كل المؤشرات السابقة، فإن الحديث عن “طلاق بائن” بين الطرفين يصطدم بكوابح هيكلية عميقة تجعل الانفصال الكامل أمراً مستبعداً في المدى المنظور:
هنالك موضوع أخرمهم وحساس جداً الا وهي:

1 – العلاقة العضوية بين المؤسسات: الروابط بين البنتاغون والمؤسسة العسكرية الإسرائيلية، وبين أجهزة الاستخبارات في البلدين(مثل CIA والموساد)، هي روابط مؤسسية عميقة ومستقلة نسبياً عن التجاذبات السياسية بين القادة.

2 – قوة جماعات الضغط (اللوبي): ما تزال شبكات الضغط الموالية لإسرائيل في واشنطن، مثل “أيباك” (AIPAC)، تمتلك نفوذاً هائلاً داخل الكونغرس بمجلسيه، وقدرة على التأثير في التمويل الانتخابي وصناعة القرار.
التكامل التكنولوجي والدفاعي: الشراكة في تطوير المنظومات الدفاعية المتقدمة (مثل القبة الحديدية، مقلاع داوود، ومنظومات الليزر) تجعل من الصعب فك هذا الارتباط دون إلحاق الضرر بالصناعات الدفاعية لكلا الطرفين.

رابعاً: السيناريوهات المستقبلية للعلاقة
بناءً على المعطيات الراهنة، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات لمستقبل هذه العلاقة:
السيناريو الأول: “التباعد المنضبط” أو “الطلاق العاطفي” (المرجح)

أن تستمر الشراكة الأمنية والعسكرية الأساسية، لكن مع تراجع الغطاء السياسي الدبلوماسي الأمريكي. في هذا السيناريو، لن تتردد واشنطن في ممارسة ضغوط علنية، والامتناع عن استخدام الفيتو في بعض القرارات الدولية، وتقنين أو إبطاء شحنات الأسلحة الهجومية، مما يعكس تحولاً من “الدعم الأعمى” إلى “الدعم المشروط”.
السيناريو الثاني: “إعادة الضبط وضخ الدماء”

وهذا يرتبط بتغير القيادات السياسية في كلا البلدين؛ كأن تصعد إدارة جمهورية محافظة في واشنطن تتوافق تماماً مع حكومة يمين وسط في إسرائيل، مما يعيد الحرارة إلى التحالف ويؤجل الأزمات البنيوية مؤقتاً دون حلها جذرياً.

السيناريو الثالث: “الافتراق الاستراتيجي” (بعيد المدى)
وهو سيناريو ينضج على مدى عقد أو عقدين من الزمن، مدفوعاً بتحول ديمغرافي وسياسي كامل داخل المجتمع الأمريكي (صعود جيل جديد لا يربطه رابط عاطفي أو تاريخي بإسرائيل)، بالتوازي مع اتجاه إسرائيل نحو العزلة الدولية والاعتماد الكامل على الذات أو البحث عن تحالفات بديلة، مما يؤدي إلى إنهاء التحالف بشكل تدريجي.

ومن جانب أخر يمكننا القول من إن تدهور العلاقات الأمريكية الإسرائيلية ليس وليد اللحظة، بل يمتد لجذور محطات تاريخية وسياسية شكلت نقطة تحول من “التحالف الاستراتيجي المطلق” إلى مرحلة “التباين والخلافات العلنية”.

تكمن الأسباب الرئيسية لبدايات هذا التدهور في عدة ملفات استراتيجية وسياسية:

1 – الخلاف حول ملف حل الدولتين والاستيطان.
2 – التباين الاستراتيجي تجاه الملف الإيراني.
3 – تحول القضية الإسرائيلية إلى مسألة حِزبية داخل أمريكا.
4 – التباين في إدارة الأزمات العسكرية والأمنية.

1 – الخلاف حول ملف حل الدولتين والاستيطان.
توسع الاستيطان: ترى الإدارات الأمريكية المتعاقبة (خاصة الديمقراطية منها) أن التوسع المستمر في بناء المستوطنات في الضفة الغربية يقوض حل الدولتين، وهو الرؤية التي تتمسك بها واشنطن كسبيل وحيد لتحقيق الاستقرار المستدام في الشرق الأوسط.

السياسات اليمينية في إسرائيل: صعود الحكومات الأكثر يمينية في تاريخ إسرائيل أدى إلى تبني سياسات ترفض علناً قيام دولة فلسطينية، مما وضع الإدارات الأمريكية في موقف محرج أمام حلفائها الدوليين والإقليميين.

2 – التباين الاستراتيجي تجاه الملف الإيراني
الاتفاق النووي (JCPOA): شكل عام 2015 نقطة تحول رئيسية عندما خاضت إدارة باراك أوباما مفاوضات الاتفاق النووي مع إيران، وهو ما اعتبرته إسرائيل تهديداً وجودياً لها وتجاوزاً لمصالحها الأمنية.

الصدام العلني: وصل الخلاف إلى ذروته عندما ألقى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خطاباً شهيراً في الكونغرس الأمريكي آنذاك لمعارضة سياسة أوباما، مما اعتبره الديمقراطيون تدخلاً في الشؤون السياسية الداخلية لواشنطن.

3 – تحول القضية الإسرائيلية إلى مسألة حِزبية داخل أمريكا.
فقدان الدعم الثنائي العابر للأحزاب: تاريخياً، كان دعم إسرائيل محل إجماع بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي. لكن في السنوات الأخيرة، بات الدعم المطلق يتركز أكثر في الجناح الجمهوري، بينما تصاعدت الأصوات الانتقادية داخل الجناح التقدمي للحزب الديمقراطي.

تغير نظرة الرأي العام الأمريكي: تشير استطلاعات الرأي إلى تراجع نسب التأييد الأعمى لسياسات إسرائيل بين الشباب الأمريكيين والأقليات، مما يضغط على صناع القرار في واشنطن لمراجعة طبيعة هذا الدعم.

4 – التباين في إدارة الأزمات العسكرية والأمنية.
الخلاف حول الخطط العسكرية: برزت مؤخراً خلافات واضحة حول طريقة إدارة العمليات العسكرية الكبرى، والمدى الزمني لها، وحجم الخسائر البشرية في صفوف المدنيين، فضلاً عن غياب رؤية واضحة لـ “اليوم التالي” للحرب وإدارة المناطق المتضررة.

المساعدات الإنسانية: ضغطت واشنطن مراراً لتسهيل تدفق المساعدات الإنسانية، معتبرة أن الأزمات الإنسانية الناتجة عن العمليات العسكرية تضر بالصورة الدولية للولايات المتحدة وتعيق جهود التطبيع الإقليمي.

وأخيراً يمكننا القول أن بدايات التدهور لم تكن بسبب تخلي أمريكا عن التزامها بأمن إسرائيل، بل نتيجة تعارض الرؤى الاستراتيجية؛ حيث باتت واشنطن ترى أن بعض سياسات الحكومات الإسرائيلية تتعارض مع مصالح الأمن القومي الأمريكي في المنطقة وتضر بتحالفاتها الدولية.

اي ان التحول من الممكن ان يكون من “الشراكة المقدسة” إلى “الواقعية السياسية” حيث إن الحديث عن “طلاق وثيق” بين الولايات المتحدة وإسرائيل قد يكون سابقاً لأوانه من الناحية الإجرائية والعسكرية، لكن المؤكد هو أن التحالف قد فقد صيغته “المقدسة” ودخل مرحلة “المصلحة البراغماتية الخاضعة للمساءلة”.

إسرائيل لم تعد تحظى بالشيك الأمريكي المفتوح دون شروط، وواشنطن باتت أكثر وعياً بكلفة هذا التحالف على مصالحها الكونية. إننا لسنا أمام طلاق بائن، بل أمام إعادة تعريف قاسية لخطوط التحالف، حيث تدرك أمريكا أن حماية إسرائيل لا تعني بالضرورة تبني كافة مغامراتها السياسية والعسكرية.