أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ..!
✍ السيد بلال وهبي ||

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)
قال تعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ﴿الحج: 39﴾
ردُّ العدوان لا يحتاج إلى قرار من سلطة حاكمة، لأن قرار العدوان بيد المعتدي لا بيد المعتَدى عليه، والمظلوم لا خيار له إلا ردّ الظلم عنه بكل وسيلة ممكنة، وإلا كان شريكًا في الظلم الواقع عليه، فلا يجوز الاستسلام للبغي، ولا السكوت على الظلم، ففي ذلك تمكين للشر، وتدعيم لبنائه، وإطلاق ليده المجرمة القاتلة، يضرب بها كيف يشاء في مواقع الحق، ومواطن الخير، إلا أن يكون عاجزًا تمامًا عن فعل أيّ شيء، فلا لوم عليه حينئذٍ، إذ لا يُكَلِّفُ اللهُ نفسًا إلا وُسعَها.
إن الذين يُقَاتَلون ظُلمًا وعُدوانًا مأذون لهم بأن يقاتلوا المعتدين الظالمين، هذا قتالٌ مشروع، بل إنه لواجب، قال تعالى: فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴿البقرة: 194﴾.
والله ناصر لهم على ظالميهم، وعدٌ منه غير مكذوب، وإنه على نصرهم لقدير، إذ في يده القوى كلها، وإنه لا غالبَ له، وله جنود السماوات والأرض، لا يعلمها إلا هو، وهي جنود لا يراها المظلومون ولكنهم يلمسون أثرها في ميادين الحرب، هذا ما تقرِّره الآية الكريمة في نَصٍّ صريح لا لَبسَ فيه، ولا يحتمل التأويل، وفي هذا الأسلوب من الوعد، مبالغة عظيمة زيادة في توطين عزائم المؤمنين، وتثبيتهم على جهاد عدوهم.
إن البغي والظلم والعدوان كلُّها وجوه مُنكَرَة من وجوه المنكر، ومطلوب من كل مؤمن بالله أن يدفع المنكر بكل ما ملكت يده، ووسع جهده، وقتال المؤمنين، والعدوان عليهم، بإراقة دمائهم وإزهاق أرواحهم، وتدمير قراهم، هو من أنكر المنكرات، وإنه لفرضٌ على كل مؤمن أن يرد هذا المنكر، ويُخمِد أنفاسه، كي يريح العباد والبلاد منه.
وقد ذكر الله في الآية التالية وجه مظلوميتهم فقال: الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ﴿الحج: 40﴾.
أي أُخرِجوا من ديارهم عنوة وبالقوة والترهيب والقتل والتدمير، والإجبار على ترك ديارهم وأموالهم وكل عزيز عليهم، والسبب: أنهم لم يخضعوا للعدو وعدوانه، إذ ليس في قاموسهم خضوع إلا لله الواحد الأحد، ولا طاعة منهم إلا له وحده، فهو خالقهم والمالك لهم، وهو ربُّهم ولا ربَّ لهم سواه.
وهذا بالضبط ما يحدث الآن للمؤمنين المظلومين، الذين تواطأ على ظلمهم والعدوان عليهم القريب مع البعيد، وشريكهم في الوطن مع القاتل المجرم المعتدي، هو يقتل ويدمِّر، وهم يبرِّرون له القتل والتدمير والعدوان، والهدف المشترك لهم جميعًا أن يخضع المؤمنون ويَذِلّوا لهم.
إن نهوض المؤمنين المظلومين لقتال الظالم المعتدي، إنما هو نهوض إلى فرضٍ فرضه الله عليهم لردِّ العدوان وكسر شوكة الظلم، فهو ضرورة أخلاقية وإنسانية وشرعية، تفرضها طبيعة الظلم حين يتحوَّل إلى قوة مستعلية لا تكتفي بإفساد الحياة، بل تسعى إلى مصادرة حقهم في العيش الكريم، والحياة الحرة الوادعة الآمنة، هذا هو دافعهم، وليس دافعهم شهوة القتال من أجل القتال،
فالقتال كُرهٌ لهم كما قال تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ﴿البقرة: 216﴾.
ولكن حين يُفرَض القتال عليهم فرضًا، ويُكرَهون عليه، ولا يرعوي العدو عن غِيِّه وعدوانه، فعليهم أن ينهضوا إلى واجبهم للدفاع عن وجودهم وديارهم وعقيدتهم وكرامتهم.
إنَّ الإسلام لا يدعو إلى العنف، ولا يجيز العدوان إلا لرد العنف والعدوان، فالقتال من منظور القرآن الكريم ليس قيمة في ذاته، وإنما القيمة في دفع الظلم، وصيانة الإنسان من القهر، وحماية الوجود من الاستئصال، ولذلك لم يجعل القرآن الإذن بالقتال قائمًا على الاختلاف الديني، ولا على التوسع الجغرافي والهيمنة السياسية والاقتصادية والعقائدية،
وإنما على وقوع الظلم والعدوان: ﴿بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾، فجعل المظلومية هي علة الإذن، لا الرغبة في السيطرة أو الانتقام.
ومن هنا نفهم أن الإسلام يريد للمؤمن أن يكون صاحب كرامة لا يقبل الضَّيم، لأن الاستسلام المطلق للظالم يفسد الفطرة الإنسانية، ويقتل في الإنسان معنى الحرية والعزة التي أرادها الله له، فالإسلام لا يربي أتباعه على روح الهزيمة النفسية، ولا على القابلية للاستعباد، وإنما يربيهم على أن يكونوا أهل حقٍّ يدفعون البغي بقدر استطاعتهم، ويقاومون العدوان بما يملكون من وسائل مشروعة، لأن السكوت الطويل على الظلم يقويه، ويمنح المعتدي شعورًا بأن لا رادع يردعه.
فجر يوم الإثنين الواقع في: 1/6/2026 الساعة (04:09)




