الاثنين - 26 اكتوبر 2026
منذ 5 أشهر
الاثنين - 26 اكتوبر 2026

ضياء ابو معارج الدراجي ||

 

 

 

يقول المثل العراقي الشهير: “المطي يموت بكروته.”
والمقصود أن الإنسان قد يدفع ثمن الأجرة أو المنفعة التي قبل بها، فالكروة ليست مجرد أجر عمل، بل مسؤولية وعاقبة وحساب قد يأتي متأخرًا.

ولسنوات طويلة كان هذا المثل ينطبق على كثير من المدراء العامين ووكلاء الوزارات الذين أغرتهم كروة المنصب، فقبلوا أن يكونوا الجسر الذي تعبر عليه القرارات المشبوهة، والبوابة التي تمر منها الاستثناءات، والختم الذي يضفي الشرعية على ما لا يمكن تمريره بصورة قانونية.

كان الرئيس أو الوزير يحتاج إليهم أكثر مما يحتاجون إليه.

فالرئيس أو الوزير يريد النتيجة. أما التوقيع فيريده من غيره.

يريد أن تصل المنافع إلى حيث يريد.

وأن تمر العقود كما يريد. وأن تسير الأمور كما يريد.

لكن عندما يحين وقت وضع الإمضاء الأخير، يتراجع خطوة إلى الخلف، ويظهر المدير العام أو وكيل الوزارة في واجهة المشهد باعتباره صاحب القرار الإداري.

تمر السنوات. يتغير الوزير. ويغادر الرئيس. وتتبدل الحكومات. وتبدأ لجان التحقيق بنفض الغبار عن الملفات القديمة.

وعندها يكتشف صاحبنا أن كل كلمات المديح التي كان يسمعها لم تتحول إلى حصانة قانونية.

وأن كل صور المصافحة لم تتحول إلى مادة دفاعية أمام القضاء.

فالملف لا يعرف المجاملات. والتوقيع لا يعرف الوفاء. والقانون لا يعترف بعبارة “كنت أنفذ التوجيهات”.

وهنا يتجسد المثل العراقي بحذافيره:

المطي يموت بكروته. لكن الحقيقة العراقية أكثر تعقيدًا من الأمثال أحيانًا.
فليست كل المطايا تموت بكروتها.

هناك مطايا ذكية أيضًا. مطايا اكتشفت مبكرًا أن حمل الأثقال وحده لا يصنع الثروة.
وأن التوقيع يمكن أن يكون سلّمًا لا مجرد حبل مشنقة.

فهؤلاء لم يكتفوا بخدمة الرئيس أو الوزير. بل تعلموا أسرار اللعبة. تعلموا أين تذهب الأموال. وكيف تُدار الشبكات. ومن يملك النفوذ الحقيقي. ثم بدأوا بجمع أوراق القوة لأنفسهم.

حتى جاء اليوم الذي أصبح فيه بعضهم أعلى منصبًا من الذين كانوا يخدمونهم بالأمس.
فمن كان يوقع للوزير أصبح وزيرًا.

ومن كان ينفذ أوامر الرئيس أصبح رئيسًا لهيئة أو مؤسسة أو حزب. ومن كان مجرد منفذ أصبح شريكًا في صناعة القرار. وهنا يحضر مثل عراقي آخر لا يقل عمقًا ولا سخرية:

“اليسوك المطي يتحمل ضراطه.” فحين يقرر شخص أن يركب المطي ويستفيد من خدماته، عليه أن يتحمل ما يصدر عنه أيضًا.

دوفي السياسة والإدارة كثيرًا ما ينسى الرؤساء والوزراء هذه الحقيقة.

يعتقدون أن المدير العام مجرد موظف يمكن استبداله متى شاؤوا. لكن بعض هؤلاء الموظفين كانوا يسجلون كل شيء في دفاتر الذاكرة.

ويتعلمون من كل تجربة. ويجمعون من النفوذ ما يكفي ليصبحوا قوة قائمة بذاتها.
وعندما تتغير الموازين، يجد الرئيس أو الوزير نفسه مضطرًا لمجاملة من كان يعتبره بالأمس تابعًا له.
بل وربما يصبح تابعًا له.

وهكذا فإن تاريخ الإدارات لا يقتصر على مطايا ماتت بكروتها. بل يحتوي أيضًا على مطايا تعلمت الركوب بنفسها.

فاستفادت من الفساد الذي شاركت فيه، ومن النفوذ الذي اقتربت منه، ومن الأسرار التي اطلعت عليها، حتى تحولت من وسيلة نقل إلى صاحب قافلة.

ومع ذلك تبقى القاعدة الأصدق: من يدخل هذه اللعبة طمعًا بالكروة وحدها قد يدفع الثمن كاملًا.

ومن يدخلها طمعًا بالسلطة قد ينجو فترة أطول. لكن الملفات لا تشيخ، والوثائق لا تنسى، والذاكرة السياسية أطول عمرًا من أصحاب المناصب.

ولهذا تبقى الأمثال العراقية أكثر حكمة من كثير من كتب الإدارة والسياسة:
المطي يموت بكروته… واليسوك المطي يتحمل ضراطه…

أما الأذكى بينهم، فهو من لا يتحول إلى مطي أصلًا، ولا يظن أن المنصب المؤقت يستحق أن يبيع من أجله مستقبله الدائم.

ولأن مواكب السلطة لا تسير بالمطايا وحدها، فقد نشأت حولها مهنٌ أخرى لا تقل براعة في اقتناص الكروة.

فإلى جانب مطايا التوقيع، توجد مطايا الكلام. أولئك الذين يلمعون الأخطاء باسم الإعلام، ويغسلون الفساد باسم التحليل السياسي، ويحولون الإخفاقات إلى إنجازات تاريخية بمجرد تغيير زاوية التصوير أو اختيار مفردات أكثر نعومة.

هؤلاء لا يحملون ختمًا رسميًا، ولا يوقعون على العقود، لكنهم يوقعون يوميًا على روايات جديدة للواقع.

فإذا جاء مسؤول قوي قالوا إنه المنقذ. وإذا جاء غيره بعد أربع سنوات قالوا إنه المنقذ الحقيقي. وإذا جاء ثالث أعلنوا أن السابقين كانوا أصل البلاء.

إنهم لا يبدلون مبادئهم لأنهم في كثير من الأحيان لا يحملون مبادئ ثابتة أصلًا، بل يحملون بوصلة واحدة تشير دائمًا إلى جهة السلطة.

فالصولجان هو العقيدة. والمنصب هو البرنامج السياسي. والمصلحة الخاصة هي الأيديولوجيا الوحيدة التي لا تتغير.

تراهم ينتقلون بين الحكومات كما ينتقل المسافر بين محطات القطار.

يمدحون هذا العهد حتى آخر يوم فيه، ثم يستيقظون صباح اليوم التالي خبراء في نقده وكشف عيوبه.

وكأن ذاكرتهم تُمسح تلقائيًا مع إعلان النتائج الجديدة.

لا يسألون: من الأصلح؟ ولا يسألون: من الأنزه؟ ولا يسألون: من خدم الناس؟ بل يسألون سؤالًا واحدًا: أين ستكون مصالحنا في الدورة القادمة؟

فإن كانت هناك، تحولت المقالات إلى قصائد مديح، والتحليلات إلى أبواق تبرير، والأخبار إلى نشرات علاقات عامة. وإن انتقلت السلطة إلى غيرهم، انتقلت معهم القناعات بالسرعة نفسها.

ولهذا فإن بعضهم لا يختلف كثيرًا عن المطي الذي يعمل بالكروة.
غير أن الفرق الوحيد هو أن المطي الحقيقي يعرف صاحبَه، أما هؤلاء فيبدلون أصحابهم كل أربع سنوات، ويبقون أوفياء لشيء واحد فقط:

الحفاظ على مكاسبهم الخاصة.
وفي النهاية، عندما تُكتب الروايات الحقيقية للأحداث، يكتشف الناس أن الفساد لم يكن يعيش على المال وحده، بل كان يحتاج دائمًا إلى من يبرره، ومن يزخرفه، ومن يبيعه للناس على أنه إنجاز.

فلكل فساد مطي يحمل أوراقه… ولكل فساد أيضًا منشدٌ يسير أمام القافلة ويخبر الناس أن الطريق إلى الهاوية هو أقصر الطرق إلى المجد.

ضياء ابو معارج الدراجي