الخميس - 18 يونيو 2026
منذ 3 أسابيع
الخميس - 18 يونيو 2026

الكاتب والباحث والاكاديمي صلاح الاركوازي ||

 

 

 

وفي هذا الجزء من الحرب الناعمة والحرب الإدراكية / 3 والاخير فسوف نقدم دراسة متكاملة ومنسقة في شكل ملخص تنفيذي وتقرير إستراتيجي شامل، يدمج كافة المراحل والمحاور التي تم نقاشها وتطويرها في الجزءين السابقين، لتكون الوثيقة جاهزة للتقديم كمادة أكاديمية أو رسمية:
التقرير إلاستراتيجي
العنوان: الهندسة الإستراتيجية للحروب الحديثة: تلاحم الحرب الناعمة والحرب الإدراكية وآليات بناء الدرع الواقي للمجتمعات العربية.
1 – المقدمة والبيئة الإستراتيجية للصراع
شهدت العقيدة العسكرية والأمنية العالمية تحولاً جذرياً؛ حيث تراجعت الحروب الصلبة القائمة على المجابهة المسلحة لصالح صراعات غير تماثلية تستهدف “الإنسان” في وعيه وقيمه. يُقدم هذا التقرير تحليلاً معمقاً للعلاقة التكاملية بين الحرب الناعمة (Soft War) والحرب الإدراكية (Cognitive Warfare)، باعتبارهما أحدث أدوات الهيمنة وصناعة النفوذ، مع تقديم نماذج دولية حية، وسيناريو محاكاة تطبيقي، واستراتيجية دفاعية لحماية الأمن القومي العربي.
2 – الإطار المفهومي والتأصيلي
يرتبط المفهومان بعلاقة تكاملية عضوية (علاقة الوسيلة بالغاية، والبيئة بالأداة):
1) الحرب الناعمة: قدرة الفاعل الدولي على جذب وإقناع المستهدفين لتبني أهدافه طواعية عبر قنوات الثقافة، والقيم السياسية، والسينما، والإعلام.
2) الحرب الإدراكية: سلاح تحوير العقول؛ وهي امتداد متطور للحرب النفسية والسيبرانية، لا تستهدف تغيير ما يفكر فيه الناس فحسب، بل تغيير الطريقة التي يفكرون بها ويحللون بها المعلومات لاتخاذ القرارات.
3) جسور الترابط: تعمل الحرب الناعمة على تهيئة البيئة الثقافية والنفسية عبر الاستمالة، لتفتح الأبواب أمام الحرب الإدراكية التي تقوم بحقن “الفيروسات المعرفية” للتلاعب بآليات اتخاذ القرار وتدمير المناعة الفكرية.
3 – النماذج الدولية والواقع الميداني
لم تعد هذه الحروب نظريات، بل تحولت إلى استراتيجيات معتمدة من القوى الكبرى:
1. النموذج الأمريكي: توظيف السينما (هوليوود) ومنصات البث الرقمي كقوة ناعمة، مدمجة بآليات الحرب الإدراكية عبر خوارزميات وسائل التواصل لإنتاج “الثورات الملونة” وتفكيك ثقة الشعوب المستهدفة بمؤسساتها.
2. النموذج الروسي (عقيدة جيراسيموف): استخدام لجان الإنترنت (Trolls) والذكاء الاصطناعي في بث معلومات مضللة مكثفة (كما حدث في انتخابات الغرب 2016)؛ لإحداث “الإنهاك الإدراكي” وشل قدرة الرأي العام على فرز الحقائق.
3. النموذج الصيني (الحروب الثلاثة): بناء معاهد كونفوشيوس والاستثمارات كقوة ناعمة، مع توظيف خوارزميات موجهة عبر تطبيقات مثل (تيك توك الدولي) لتسطيح وعي الأجيال الناشئة وإضعاف مهاراتهم النقدية.
4. النموذج الصهيوني: غسيل السمعة عبر الدبلوماسية الرقمية، واستخدام وحدات التكنولوجيا الفائقة (مثل الوحدة 8200) للتلاعب بالخوارزميات أثناء الأزمات العسكرية لتقييد المحتوى الإنساني وإعادة صياغة إدراك المشاهد العالمي بجعل الجاني ضحية.
4 – الهندسة العسكرية للهجمات الإدراكية
تُصنف الجيوش الحديثة (مثل حلف الناتو) العقل البشري بأنه “المجال السادس للحروب”، وتُدار الهجمات وفق خمس مراحل هندسية:
1. الاستطلاع الإدراكي: جمع البيانات الضخمة (Big Data) للمجتمع وبناء خرائط نفسية لنقاط ضعفه.
2. هندسة السلاح المعرفي: صياغة سرديات التفرقة وإنتاج مواد التزييف العميق (Deepfakes).
3. الاختراق والحقن: التلاعب بالخوارزميات لدفع المحتوى السام إلى واجهة المستخدمين.
4. الإنهاك المعرفي: إغراق الفضاء الإلكتروني بمعلومات متناقضة تسبب اللامبالاة والارتباك التام.
5. التفعيل الحركي: تحويل التوجيه الذهني إلى فعل مادي مدمر على الأرض (أعمال شغب، انتحار ذاتي للمجتمع).
5 – دراسة حالة: سيناريو تخيلي لعملية “الدرع الواقي”
يحاكي السيناريو تعرض دولة عربية لهجوم إدراكي منسق يستهدف مشروعاً اقتصادياً قومياً:
1. الهجوم: بث فيديو مزيف عميقاً (Deepfake) لوزير المالية يعلن إفلاس الدولة، وتحريك لجان إلكترونية لرفع وسم معادي لصناعة ذعر جمعي.
2. الرصد والتحليل: رصد المركز الوطني للهجوم بعد 15 دقيقة، وتحليل الخوادم الخارجية التي تدير الحسابات الآلية (Bots).
3. الإحباط والرد السريع: تفتيت الفتنة عبر نشر إثبات تقني لتزييف الفيديو، خروج الوزير في بث مباشر بالحقائق والأرقام، تحريك شبكة المؤثرين الوطنيين لتفكيك الإشاعة بلغة مبسطة، والضغط القانوني على المنصات الدولية لحظر الحسابات الوهمية المعادية.
6 – تشخيص الواقع: الثغرات النفسية في البيئة العربية
يستهدف الأعداء في هجماتهم أربع ثغرات رئيسية في نفسية المواطن العربي:
1. العاطفية المفرطة: سرعة الاستثارة بالخطاب الحماسي أو المأساوي دون تحكيم العقل.
2. عقدة النقص: الانبهار التلقائي بالنموذج الغربي وجلد الذات وتاريخ المجتمع.
3. فجوة الثقة: ضعف الثقة في بعض المنصات الإعلامية والبيانات الحكومية الرسمية.
4. غياب ثقافة التحقق: النقل والمشاركة المجانية للمحتويات الرقمية دون فحص تقني للمصدر.
7 – التوصيات الإستراتيجية المرفوعة لصنّاع القرار
لحماية الأمن القومي وبناء “الدرع الإدراكي العربي”، يوصي التقرير بالآتي:
1. سيادياً وتشريعياً: تأسيس “مجلس الأمن الإدراكي القومي” يتبع القيادة السياسية مباشرة، وتحديث قوانين السيادة السيبرانية لفرض شروط صارمة على شركات التكنولوجيا العالمية.
2. اتصالياً وإعلامياً: تبني إستراتيجية الشفافية الاستباقية لتمليك المواطن الحقائق فوراً، ودعم ورعاية صناع المحتوى والشباب ليكونوا خط الدفاع الشعبي الرقمي.
3. تعليمياً وثقافياً: إدراج مقرر إلزامي لـ “المناعة الرقمية والتربية الإعلامية” في المدارس والجامعات، والاستثمار الضخم في إنتاج محتوى ترفيهي وسينمائي يعزز الأصالة والهوية الوطنية.
ملحق: دليل الحصانة الفكرية للأفراد (جاهز للتوزيع والطباعة)
القاعدة 1: تمهل 10 دقائق كاملة قبل التفاعل مع أي منشور يثير غضبك أو صدمتك.
القاعدة 2: اخضع الخبر لأسئلة الفحص الثلاثي: (مَن الناشر؟ ما مصلحته الآن؟ ما مصادره؟).
القاعدة 3: طبق الصيام الرقمي الممنهج يومياً لحماية قشرة دماغك من الإنهاك المعرفي.
القاعدة 4: اكسر فقاعة الخوارزميات وابحث بنفسك عن الآراء الرصينة والمقالات التحليلية.
القاعدة 5: اجعل قيمك الدينية والوطنية هي الفلتر الأساسي لحظر المحتوى الهابط والموجه.
هل يمكن للدول تأسيس “وحدات دفاع إدراكي عسكري” لمواجهة هذه الهجمات؟
إن تأسيس “وحدات دفاع إدراكي عسكري” يتطلب الانتقال بالأمن القومي من مفهوم حماية الحدود الجغرافية والشبكات السيبرانية، إلى مفهوم “حماية الفضاء الذهني والسيادة المعرفية”.
في العقيدة العسكرية الحديثة، تُبنى هذه الوحدات كقوة مشتركة تدمج بين العمل الاستخباري، والتكنولوجي، والنفسي. إليك خطة العمل التفصيلية والمكثفة لكيفية تأسيس هذه الوحدات عسكرياً:
الهيكلية العسكرية لوحدات الدفاع الإدراكي (Cognitive Defense Units)
تُؤسس هذه الوحدة كذراع تخصصي مستقل (مثل سلاح الإشارة أو القوات السيبرانية)، وتتكون هيكليتها التنظيمية من خمسة أقسام حيوية تعمل بالتوازي:
1. قسم الرصد والاستطلاع المعرفي (Cognitive Intelligence – C-INT)
هو “الرادار” الخاص بالوحدة، ومهمته مسح الفضاء الرقمي على مدار الساعة.
1. الآلية: استخدام برمجيات التنقيب عن البيانات (Data Mining) والذكاء الاصطناعي لرصد التغيرات المفاجئة في “المزاج العام” على وسائل التواصل الاجتماعي.
2. الهدف: كشف وسوم (هاشتاغات) الفتنة، أو الشائعات المنظمة، وتحديد الخوادم (Servers) الخارجية التي تطلقها قبل أن تتحول إلى تريند (Trend) شعبي.
2. قسم التحليل السلوكي والعلوم العصبية (Neuro-Behavioral Analysis)
يضم هذا القسم علماء نفس، وعلماء اجتماع، ومتخصصين في علوم الأعصاب السلوكية.
1. الآلية: دراسة “المواد السامة” التي يطلقها العدو، وتفكيك الشفرة النفسية المستهدفة (هل تستهدف إثارة الخوف؟ الغضب؟ الإحباط؟).
2. الهدف: تحديد الفئات المجتمعية الأكثر عرضة للاختراق (مثل: الشباب، فئة اقتصادية معينة) وتقديم نصائح فورية لقسم الرد السريع حول كيفية صياغة الرسالة المضادة لتناسب عقول هذه الفئات.
3. قسم الهندسة الرقمية المضادة (Counter-Algorithmic Warfare)
هذا هو القسم التقني الصرف، ويضم مهندسي برمجيات ومخترقين أخلاقيين (Ethical Hackers).
1. الآلية: دراسة خوارزميات المنصات الكبرى (مثل Meta، Tik Tok، X) وفهم كيف يقوم العدو باستغلالها لنشر محتواه.
2. الهدف: تطوير أدوات تقنية لـ “التشويش الرقمي” على الحسابات الآلية (Bots) التابعة للعدو، وإجبار منصات التواصل (عبر الوسائل القانونية أو التقنية) على خفض تقييم المحتوى المعادي (Shadow banning).
4. قسم “صناعة السردية” والعمليات الإعلامية (Narrative & Media Operations)
هذا هو القسم الهجومي والدفاعي الناعم داخل الوحدة العسكرية، ويضم صناع محتوى، وإعلاميين، وخبراء اتصال إستراتيجي.
1. الآلية: التوقف تماماً عن أسلوب “البيانات العسكرية الجافة” والمملة، وتحويل الحقائق والبيانات إلى محتوى رقمي جذاب وسريع الانتشار (فيديوهات قصيرة، إنفوجرافيك، محتوى تفاعلي).
2. الهدف: حقن الفضاء الرقمي بـ “الرواية الوطنية الصادقة” لملء الفراغ المعرفي، لأن عقيدة الحرب الإدراكية تقول: “من يسبق بفرض سرديته على العقول، يمتلك المعركة”.
لتفعيل هذه الوحدة ميدانياً، يجب على القيادة العسكرية اتخاذ ثلاث خطوات تأسيسية:
1. التجنيد غير التقليدي: استقطاب الكفاءات المدنية من عباقرة البرمجة، وصناع المحتوى، وعلماء النفس، وتجنيدهم برتب عسكرية استثنائية أو كمستشارين دائمين داخل غرف العمليات.
2. مناورات محاكاة الهجوم (Red Teaming): إجراء تدريبات دورية تقوم فيها مجموعة (الفريق الأحمر) بشن هجوم إدراكي وهمي (إشاعة ضخمة أو فيديو مزيف بتقنية Deep fake)، وتقوم الوحدة (الفريق الأزرق) بمحاولة رصد الهجوم وإحباطه في غضون دقائق.
3. التحالف الإدراكي الإقليمي: إنشاء غرف عمليات مشتركة بين الدول الحليفة (مثل الدول العربية) لتبادل البيانات حول “الذباب الإلكتروني” واللجان الموجهة، نظراً لأن الهجمات الإدراكية غالباً ما تتخطى الحدود الجغرافية وتستهدف الهوية المشتركة.

وبهذا الجزء نكون قد أكملنا سلسلة مقالاتنا حول الحرب الناعمة والحرب الإدراكية حيث أثبتنا من أنهما وجهان لعملة واحدة وانها تستهدف السيطرة على العقول وتوجيه السلوك البشري دون الحاجة لاستخدام القوة العسكرية التقليدية القاتلة حيث شهدت البيئة الأمنية والإستراتيجية العالمية تحولاً جذرياً في طبيعة الصراعات الدولية؛ حيث تراجعت الحروب الصلبة القائمة على الدبابات والمدافع لصالح حروب خفية تستهدف “الإنسان” في وعيه، وقيمه، وقناعاته. وفي هذا السياق، برز مصطلحا “الحرب الناعمة” (Soft War) و”الحرب الإدراكية” (Cognitive Warfare) كأحدث أدوات الهيمنة وصناعة النفوذ، حيث يتداخل المفهمومان لتشكيل منظومة هجومية متكاملة لغزو العقول وإعادة صياغة الواقع.
وجه المقارنة بين الحرب النفسية المستهدف الرئيسي الروح المعنوية، العواطف، والمواقف. العقل البشري، آليات التفكير، والوعي.
و الحرب الإدراكية تكون الأدوات المستخدمة الدعاية (Propaganda)، الإعلام، الشائعات. علوم الأعصاب، التكنولوجيا الرقمية، خوارزميات وسائل التواصل، البيانات الضخمة.
وان طبيعةالحرب النفسية هو التأثير غالبًا ما يكون قصير إلى متوسط المدى (مرتبط بالمعركة أو الأزمة). بينما الحرب الاردراكية تكون طويل المدى، مستدام، ويسعى لإعادة تشكيل الهوية والثقافة وطريقة الفهم.
ةفي الحرب النفسية تكون النتيجة المرجوة تغيير السلوك (مثل: الهروب، الاستسلام، التمرد). بينما في الحرب الادراكية هو تغيير الإدراك والمنطق (تغيير طريقة فهمك للكون والواقع من حولك).
وفي الحرب النفسية من حيث تأثيره على وعي الضحية قد يشعر الضحية بضغط نفسي أو خوف. بينما في الحرب لادراكية غالبًا لا يدرك الضحية أنه تحت التأثير، ويعتقد أن أفكاره نابعة من قناعته الشخصية.