رد على تصريحات السفير البريطاني في العراق..!
احمد عبد السادة ||

كلام السفير البريطاني في العراق “عرفان صديق” بشأن قيام أمريكا وبريطانيا بمنح الحكم لشيعة العراق بعد إسقاط نظام صدام الديكتاتوري، يحتاج إلى تفكيك هادئ ومنطقي وبلا انفعالات وشتائم، لأنه كلام يتعلق بالتاريخ الذي يجب أن يُكتب بتجرد وبموضوعية وبلا عواطف، لحمايته من التزييف والتحريف والتوظيف والتخريف أحياناً!
وفي معرض الرد على كلام السفير البريطاني نورد بعض الملاحظات ونثبت بعض الحقائق لوضع الأحداث التاريخية في سياقها الصحيح ضمن النقاط التالية:
أولاً: عملية إسقاط نظام صدام “السني”، عبر الاحتلال الأمريكي البريطاني، كعملية إسقاط نظام طالبــ.ــان “السني” في أفغانستان، هي عملية تندرج ضمن تداعيات الحدث المزلزل في 11 سبتمبر 2001 في أمريكا، والهجوم الشهير على مبنى التجارة العالمي في نيويورك، وذلك بعد إعلان تنظيم القاعــ..ــدة الإرهــ..ــاربي الذي كانت حركة طالبــ.ــان تحتضن قياداته، عن مسؤوليته عن هذا الهجوم، وبعد ثبوت تعاون نظام صدام مع تنظيم القاعــ..ــدة.
ثانياً: عملية إسقاط صدام جاءت ضمن تحول مرحلي مؤقت في استراتيجية الإدارة الأمريكية، في اعقاب أحداث 11 سبتمبر، وهذا التحول كان يقضي بمواجهة “الإرهــ..ــاب السني التكــ..ــفيري”، بعد أن كانت امريكا، لسنوات طويلة، وخصوصاً في عقد الثمانينيات من القرن العشرين، داعمة وحاضنة ومغذية وراعية وموجهة لهذا الإرهــ..ــاب بهدف مواجهة التواجد العسكري السوفيتي في أفغانستان، وذلك فضلاً عن دعمها ورعايتها التامة لنظام صدام “الطائفي السني المتنكر بقناع قومي” في حربه العدوانية ضد إيران وجمهوريتها الإسلامية “الشيعية” الفتية التي أعلنت العداء المطلق للكيــ.ــان الإسرائيلي.
ثالثاً: إسقاط صدام جاء ضمن ترتيبات “الشرق الأوسط الجديد” بحسب التوصيف الأمريكي، وهو توصيف مخفف لعبارة “الشرق الأوسط الإسرائيلي” التي يريد الأمريكان ترسيخها فعلاً عبر السعي لصناعة “شرق أوسط” تقوده إسرائيل بعد تحويل دول المنطقة إلى دول منقسمة أو مقسمة أو مطبعة خاضعة لها.
رابعاً: ضمن التكتيكات المرحلية للإدارة الأمريكية (إدارة جورج دبليو بوش آنذاك) لم يجد الأمريكان قوة قادرة على مواجهة “الإرهــ..ــاب السني” على الأرض غير الشيعة، بحكم أن الشيعة بالأساس يناهضون ويقاتلون هذا الإرهــ..ــاب الذي يكفرهم ويستبيح دمهم، ولهذا قام الأمريكان والبريطانيون بمغازلة الشيعة آنذاك، عبر التسويق لفكرة محتالة مفادها أنهم أسقطوا صدام من أجل الشيعة أو من أجل إقامة الديمقراطية التي سيجني ثمارها الشيعة بوصفهم أغلبية الشعب العراقي.
ولكن الحقيقة هي أن الأمريكان والبريطانيين انقلبوا على “الإرهــ..ــاب السني” بشقيه: الشق التكفــ..ــيري المتمثل بحركة طالبــ.ــان والقاعــ..ــدة، والشق البعثي المتمثل بنظام صدام، وكانوا يبحثون عن أي حليف ضد هذا الإرهــ..ــاب لتحقيق استراتيجيتهم الجديدة، وقد قرأ شيعة العراق هذا التحول واستفادوا منه، ولكن بحذر، عبر التعامل معه بتبادل أدوار موزعة بذكاء بين التعاطي السياسي البراغماتي وبين العمل المقــ..ــاوم المسلح.
خامساً: تصور الأمريكان والبريطانيون بأن تسويقهم لسردية “التمكين السياسي” لشيعة العراق سيكون ثمنه تطبيع شيعة العراق مع إسرائيل، أو سيكون ثمنه استخدام شيعة العراق ضد شيعة إيران ولبنان، وهو تصور يسكن في ذروة الوهم، استناداً لثوابت العقيدة الشيعية التي تعتبر “التطبيع” من أكبر المحرمات والمحظورات، وذلك فضلاً عن التحام شيعة العراق مع شيعة إيران ولبنان واليمن لمواجهة إسرائيل وأدواتها في المنطقة.
ولهذا ندم الأمريكان والبريطانيون كثيراً على إسقاط نظام صدام وحاولوا استعادته، بوجه آخر، عبر “دllعــ.ــش”، لكنهم فشلوا، وهو أمر عبّر عنه ترامب مراراً بالقول بأن إسقاط نظام صدام “خطأ استراتيجي كبير” لأنه كان “العدو الأول لإيران” بحسب قوله.




