حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ..!
✍️ السيد بلال وهبي ـ لبنان ||

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)
قال تعالى: حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا ﴿مريم: 75﴾.
هذا المقطع من آية كريمة جاءت في سياق الرد على منطق المشركين الذين كانوا يعتقدون أنهم على الحق وهم يواجهون دعوة رسول الله (ص)، وقد دعاهم إلى ذلك اغترارهم بما يملكون من أموال، فكانوا يفتخرون بثرائهم، وسعة وجمال دُورهم، ورغيد عيشهم، ومستواهم الاجتماعي، يفتخرون بذلك على المؤمنين الذين آمنوا بالله واحدًا أحدًا، وبمحمد (ص) رسولًا، وكان جُلُّهم من الفقراء، ويحسبون أنهم على الحق والهدى، لأنهم أثرياء أغنياء، فكانوا يجعلون من القوة المادية والمكانة الاجتماعية معياراً للحقانية والهداية والفضيلة والمنزلة الاجتماعية.
كانوا يقولون: كيف نكون على باطل ونحن نملك ما نملك من مال ووجاهة؟ وكيف يكون على الحق أولئك الفقراء المعدمون الذين لا يملكون إلا القليل مِمّا نملك من القوة المالية والعسكرية والمكانة الاجتماعية، فهم يزعمون أنهم أهدى من أتباع محمد (ص) لأنهم أغنى وأبهى.
ومِمّا لا شك فيه أن معايير القوم باطلة، والله تعالى لا يرضاها أبدًا، ولا يُقرها، إن معيار الحق عند الله هو الحق ذاته، عليه تقاس الأمور كلها، وهو الذي يمنحها شهادة الحقانية، فما كان منسجمًا مع ما يدعو إليه العقل والفطرة والوحي الإلهي، فهو حق، وما كان متناقضًا مع الثلاثة المتقدمين فهو باطل ولو بلغ من القوة المادية والمكانة الاجتماعية ما بلغ.
إنهم ليعيشون أسرى هذا الوهم، وهم الغرور، ووهم القوة، ووهم الحضور والتأثير، فإن الذي يفتخرون به من السَّعة في العيش، هو ابتلاء يمتحنهم الله به، ويمهلهم أمدًا غير قصير، فإن شكروا أنعم الله عليهم بالثواب وحسن المآب، وإن ازدادوا كُفرًا وطُغيانًا أخذهم بكُفرهم وطغيانهم أخذ عزيز مقتدر، وأجرى فيهم سُنَنَه كما جرت فيمن سبقهم من الطغاة والجبابرة، وأحاق بهم العذاب الذي هو من صُنع أنفسهم، وحينئذ يُدركون أي الفريقين أفضل، وأيهما على الحق، ويدركون من هو الأضعف جُندًا.
وفي زماننا هذا أقوام وشعوب ودول يعتدون بثرواتهم، وقوتهم، وما يملكون من قدرات عسكرية وأمنية وإعلامية واقتصادية، ويرون أنهم الأفضل من بين البشر، وأن على البشر أن يخضعوا لإرادتهم، ويكونون طوع أمرهم، وأدوات تخدم مشروعهم المجرم على امتداد العالم، ويغفل هؤلاء عن أن القوة لله وحده، وأنه تعالى هو الذي ينصر عباده، وإنّ الأحداث التي نعيشها في هذه الأيام تؤكِّد بشكل قاطع أنهم الأضعف جُنداً وإن كانوا الأقوى عددًا وعُدَّة، وأنهم لا يصمدون أمام من يصمد لهم، ويردّ عدوانهم ويقاتلهم، وأن الله تعالى يُبطِل كيدهم، ويرده إلى نحورهم.
الآية الكريمة لا تنفي أن يكون لهم جند وقوة، لكنها تكشف أن تلك القوة في حقيقتها قوة هَشَّة، كالعظام النّخِرَة، لأنها منفصلة عن الحق والعدل، وكل قوة تنفصل عن الحق تحمل في داخلها عوامل ضعفها وانهيارها ولو بدت للناس راسخة متماسكة، إن القرآن يعلِّمنا أن معيار القوة الحقيقي ليس في كثرة العدد والعُدَّة، بل في القدرة على الثبات، والاستمرار، والصمود أمام المحن، وفي امتلاك الشرعية الأخلاقية والإنسانية التي تمنح القوة معناها وقيمتها.
والملفت في الآية أنها جمعت بين: ﴿إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ﴾، تريد الإشارة بذلك إلى أن انكشاف زيف قوة الطغاة يقع في الدنيا قبل الآخرة، حيث ترى الأمم الطاغية عاقبة ظلمها وطغيانها وهي ما تزال في هذه الحياة، حين تتفكّك من الداخل وتنهار مشاريعها، وترتد أدوات بطشها عليها، ناهيك عن العذاب الأخروي، حيث تسقط كل الأقنعة، وتنكشف الموازين الحقيقية التي كانت خافية على الناس.
إن الله تعالى قد يُمهل الظالمين زمنًا طويلًا حتى يظنوا أن قوتهم ذاتية لا تزول، وأن سلطانهم محصَّن من السقوط، وقد يظنون أن تأخر العقوبة دليل على صحة مسارهم، لكن ذلك الإمهال جزء من الابتلاء والاستدراج لهم، فسُنَن الله تعمل في الظل، ولحظة سقوطهم تأتيهم بغتة وهم في ذروة شعورهم بالأمن والسيطرة.
ومن هنا فإن على المؤمن ألّا يُصاب بالهزيمة النفسية أمام سَطوة القوى الكبرى، ولا أن يظن أن تفوقها المادي يعني أنها على حق أو أنها باقية إلى الأبد، فالتاريخ الإنساني مليء بقوى ظنَّت أنها بلغت نهاية القدرة، ثم تهاوت في لحظات لم تكن تتوقعها، وإن سُنَن الله لا تُعطِّلها الدعاية، ولا يحجبها التضليل الإعلامي، ولا تمنعها وفرة السلاح، لأن القوة الحقيقية في نهاية المطاف هي القوة المرتبطة بالله والحق والعدل، وما عداها فهو إلى زوال مهما طال الزمن.
فجر يوم الأحد الواقع في: 24/5/2026 الساعة (04:21)




