وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا..!
✍️ السيد بلال وهبي ـ لبنان ||

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)
قال تعالى: وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا ﴿مريم: 74﴾
كم عاصرنا قارئي الكريم من أفراد ملأوا الدنيا حركة ونشاطًا وحيوية، وكانت الأنظار تتطلَّع إليهم وإلى ما يملكونه من أموال منقولة وغير منقولة، ومن مقتنيات فاخرة، وزينة باهرة، فإذا بنجمهم ينكدر، وذكرهم يخبو، ويصيرون رهائن قبورهم وأعمالهم، وكم عاصرنا جماعات ودوَلًا وإمبراطوريات بلغت من القوة ما بلغت، وأغرت العالم وأغوته بمظاهر القوة، والترف، والأبَّهة والعَظَمة،
فإذا هي قد تفككت على حين لم تكن تتوقع ذلك، ولا كان غيرها يتوقع، أن تصبح خبرًا من الأخبار، فلم ينفعها شيء من قوتها وجبروتها وما تملك من ثروات ومظاهر مُبهِرة، لم ينفعها جميع ذلك، ولم يعصمها شيء من الله حين كتب عليهم الهلاك.
إن الله تعالى ليذكِّرنا بين الفينة والفينة بمصارع الأمم، وهلاك القرون، والقرون هنا هي الشعوب المقترنة مع بعضها في زمن واحد، فيكون المراد بالقرون الناس وليس الزمن المعروف، يذكرنا الله بمصارعهم، وقد كانوا أقوى منا، وأكثر ثراءً، ورئيًا، ولكنهم ظلموا أنفسهم، وظلموا سواهم، واستبدوا، وبطشوا جبَّارين، ففتك بهم ظلمهم وغرورهم، واعتدادهم بقوتهم، وتوهمهم أن لا قوة تقدر عليهم، فباغتتهم سُنَنُ الله، وهم سادرون غافلون، وانتهوا إلى مصائرهم البئيسة التعيسة.
لقد هلَكوا كما هلكت قبلهم الأمم السابقة، وكما ستهلك الأمم الآتية بعدهم ما دام الإنسان يعيش على ظهر الأرض، ولن ينفعهم ما يملكون وما يعتَدّون به من ثروات وإمكانيات وقُدُرات، فما في أيديهم لا يعني أن سُنَن الله لا تجري فيهم، ولا يعني أن لهم عند الله منزلة وكرامة، وأنه يفضِّلهم على سواهم مِن البشر.
إن التدبُّر العميق في الآية الكريمة ينبهنا إلى حقائق في غاية الأهمية، فقوله تعالى: “هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا”، يريد أن يلفت أنظارنا إلى طبيعة الانبهار البشري بالمظاهر الخارجية، فالأثاث هو ما يتجمَّل به الإنسان في حياته من متاع وزينة وأدوات رفاه،
والرِّئي هو ما يظهر للناظرين من هيئة العظمة والفخامة والقوة، والإنسان كثيرًا ما يُخدَع بما تراه عيناه، فيظن أن مظاهر القوة والعظمة تعني أن القوم على حق، وأنهم الأجدر بالعظمة، وأنهم يعرفون كيف يعيشون الحياة الفخمة، ويظن أن بريق حضارتهم دليل على صحتها، وأن عظمة قوتهم يدرأ عنهم السقوط.
ومن هنا فإن الآية لا تتحدث عن الهلاك بوصفه حادثة تاريخية معزولة، بل بوصفه سُنَّة اجتماعية وحضارية ثابتة، فالأمم لا تسقط حين تضعف ماديًّا فقط، وإنما تسقط أولًا حين يتآكل معناها الأخلاقي من الداخل، وحين تتحول القوة إلى أداة استعلاء، والثروة إلى وسيلة طغيان، والحضارة إلى غطاء للفساد والظلم، عندئذٍ تبدأ عوامل الانهيار بالتكوُّن ولو كانت الأبراج شاهقة، والجيوش جَرّارة، والأسواق مزدهرة.
القرآن حين يذكِّر بهلاك الأمم السابقة يريد من الإنسان أن يتلقى العبرة من ذلك، مِمّا يجعله واعيًا وناقدًا للواقع الذي يعيشه، فالقرآن لا يقصُّ علينا “أحسن القصص” للتسلية الفكرية، وإنما ليجعل منها مرآةً يرى الإنسان فيها مصيره إذا سار في الطريق نفسه، ولهذا تتكرَّر في القرآن دعوات السير في الأرض، والنظر في عواقب الذين من قبل، لأن التأمل في مصارع الأمم يوقِظ العقل من سُكْر الغفلة، وسُكر الاغترار بالقوة.
إن الآية الكريمة لتحذِّرنا من الاغترار بزينة العصر وأدواته الجديدة، فلكل زمان “أثاثه ورِئيه” وإذا كان أثاث الأمم السابقة قصورًا ومتاعًا وهيئات سلطان، فإن أثاث هذا العصر قد يكون التكنولوجيا، والإعلام، والقوة الاقتصادية، والقدرة على التأثير في عقول الناس، وتوجيه أفكارهم وقناعاتهم، وتبديل قيمهم وعاداتهم، غير أن تغير صورة القوة لا يغيِّر سُنَن الله، فكل قوة تنفصل عن الله وعن الحق والعدل، تصبح في داخلها حاملةً لبذور فنائها ولو بدت في ذروة مجدها.
ومن هنا فإن المؤمن الواعي لا يُفتن ببريق القوة المادية، ولا يقيس نجاح الأمم والأفراد بالمظاهر العابرة، بل ينظر إلى ما وراء ذلك من القيم التي تحفظ الوجود الإنساني من الانهيار، فالقرآن يريد للإنسان أن يتحرر من عبودية المظهر، وأن يدرك أن التاريخ مليء بمن ظنوا أنهم خالدون بما أوتوا من قوة، ثم صاروا أثرًا بعد عين، لا يملكون لأنفسهم رجوعًا إلى الدنيا، ولا يملكون دفعًا لسُنَّة الله إذا جاءت.
فجر يوم السبت الواقع في: 23/5/2026 الساعة (04:14)




