لماذا العداء الامريكي الصهيوني لايران؟!
الكاتب والباحث والاكاديمي صلاح الاركوازي ||

إن طبيعة العلاقات بين البشر ( كأفراد أو تجمعات) تأخذ عدة أشكال منها:-
1. الصديق.
2. الحليف.
3. المحايد .
4. الخصم .
5. العدو .
وقد يصنفها البعض تصنيف أخر ( التصنيف أعلاه هو بحسب رأي الباحث ) ، في هذا المقال الشامل، نسلط الضوء على مفهوم العدو من مختلف الأبعاد، ونستعرض أنواعه، مستوياته، والتحولات الحديثة التي طرأت على هذا المفهوم، ثم نتكلم عند العداء الامريكي الصهيوني للجمهورية الاسلامية
مفهوم “العدو” هو أحد أقدم المفاهيم في التاريخ البشري، وهو ركيزة أساسية قام عليها تطور الفكر السياسي، العسكري، الفلسفي، وحتى النفسي. فالإنسان، منذ فجر التاريخ، مال إلى تقسيم العالم إلى ثنائية “الـنحن” (الأصدقاء والحلفاء) و”الـهم” ( الأعداء أو المنافسون).
أولاً: ماذا تعني كلمة “العدو”؟ (التعريف والدلالة)
لغويّاً: تشتق الكلمة في اللغة العربية من الفعل (عَدَا)، والعدوان هو تجاوز الحد والظلم. فالعدو هو من يتجاوز حده ليلحق الضرر بغيره، ويقود الخصومة بكراهية أو نية إيذاء.
اصطلاحيّاً وفلسفيّاً: العدو هو كل كيان (فرد، جماعة، دولة، أو حتى فكرة) يشكل تهديداً وجوديّاً، أو مصدراً للخطر، أو يسعى لتعطيل مصالح طرف آخر ومقاومة وجوده.
رؤية فلسفية (كارل شميت): يرى الفيلسوف السياسي الألماني كارل شميت أن جوهر “السياسة” يكمن في القدرة على التمييز بين الصديق والعدو. وبحسب نظريته، فإن وجود العدو هو الذي يمنح الجماعة هويتها وتماسكها الداخلي.
ثانياً: تصنيفات وأنواع الأعداء
لا يتخذ الأعداء شكلاً واحداً، بل يتنوعون بناءً على طبيعة المواجهة والميدان الذي تظهر فيه الخصومة. ويمكن تقسيمهم إلى عدة تصنيفات رئيسية:
اولا – من حيث الظهور والبطون (العدو الظاهر والخفي)( كما كان حكام الخليج لكن نواياهم قد انكشقت في الحربين الاخيرتين)
1 – العدو المعلن (الظاهر): هو الخصم الذي يرفع قناعه بوضوح، ويعلن عداءه ومواجهته جهاراً. التعامل معه أسهل نسبياً لأن خطره مكشوف وتحركاته مرصودة.
2 – العدو الخفي (المستتر): ويتمثل في “المنافق” أو “العميل”. وهو الأخطر على الإطلاق، لأنه يظهر المودة والولاء ويبطن الغدر والعداء، ويعمل على تقويض الجبهة الداخلية من الداخل.
ثانيا – من حيث النطاق والمستوى
1 – العدو الشخصي: خصم يواجه الفرد في حياته اليومية أو المهنية نتيجة حسد، تنافس غير شريف، أو تضارب مصالح شخصية.
2 – العدو المجتمعي/ الفكري: تيارات أو أفكار تستهدف قيم المجتمع، تماسكه، وثقافته (مثل التطرف، الجريمة المنظمة، أو الغزو الثقافي لتفكيك الهوية).
3 – العدو الاستراتيجي/ الدولي: دول أو تحالفات تشكل تهديداً للأمن القومي، وتعمل على السيطرة على المقدرات الاقتصادية أو الجغرافية لدولة أخرى.
ثالثا – من حيث الطبيعة والميدان
1 – العدو الكلاسيكي (العسكري): الجيوش النظامية التي تواجه بعضها في ساحات المعارك التقليدية عبر الحدود.
2 – العدو الافتراضي/ السيبراني: قراصنة ترعاهم دول، أو مجموعات تشن هجمات رقمية لتدمير البنية التحتية، سرقة البيانات، وشل القدرات التكنولوجية دون إطلاق رصاصة واحدة.
3 – العدو غير المتماثل (الشبكي): جماعات المسلحة والتنظيمات التي لا تلتزم بقواعد الحروب التقليدية، بل تعتمد على حرب العصابات والاستنزاف الطويل.
العدو غير المرئي” (توسيع المفهوم في العصر الحديث)
مع تطور البشرية، لم يعد مفهوم العدو مقتصراً على الإنسان أو الدولة؛ بل امتد ليشمل أخطاراً وجودية تهدد البشرية جمعاء، وتسمى في الأدبيات الحديثة بـ “الأعداء المشتركين”:
1 – الأوبئة والأمراض: مثل الفيروسات الفتاكة التي تهدد الأمن الصحي العالمي.
2 – التغير المناخي والكوارث الطبيعية: التصحر، الاحتباس الحراري، ونقص المياه، والتي تعتبر أعداءً صامتين يهددون مستقبل الحياة على الأرض.
3 – الجهل والفقر والتخلف: وهي الأعداء الداخليين للتنمية والاستقرار والرفاه الإنساني.
سيكولوجية العداء (لماذا نصنع الأعداء؟)
تنشأ حالة العداء نتيجة آليات نفسية واجتماعية معقدة، من أبرزها:
1 – صراع الموارد والوقود الاستراتيجي: التنافس على الغذاء، الماء، الطاقة، أو النفوذ الجغرافي.
2 – الشيطنة وصناعة الآخر (Demonization): آلة إعلامية أو أيديولوجية تعمل على تصوير الطرف الآخر كـ “شر مطلق” لتبرير محاربته أو كراهيته.
3 – عقدة الخوف من المجهول: الخوف من الثقافات أو الجماعات المختلفة يؤدي تلقائياً إلى تبني سلوك دفاعي هجومي يُترجم إلى عداء.
الاستراتيجيات والتعامل مع العدو
في العلوم الاستراتيجية والسياسية، لا تقتصر مواجهة العدو على الصدام العسكري المباشر، بل تشمل خيارات متعددة تُحددها موازين القوى:
1 – الردع الاستراتيجي: بناء قوة (عسكرية، اقتصادية، تكنولوجية) كافية لمنع العدو من التفكير في الهجوم، بحيث تصبح كلفة اعتدائه أعلى بكثير من أي مكسب قد يحققه.
2 – الاستنزاف (Attrition): إجهاد العدو ببطء وعلى فترات زمنية طويلة عبر معارك صغيرة واستنزاف موارده الاقتصادية والبشرية والمعنوية حتى ينهار.
3 – الاحتواء والدبلوماسية: تحجيم نفوذ العدو عبر شبكة من التحالفات الدولية، أو تحويل العداء إلى “تنافس منضبط” عبر الاتفاقيات والمعاهدات لتجنب الحروب الشاملة.
4 – تحييد العدو: السعي لتحويل العدو من خصم مواجه إلى طرف محايد، أو حتى حليف مستقبلي عبر المصالح المشتركة (كما حدث في العلاقات الدولية بعد الحرب العالمية الثانية).
اي إن مفهوم العدو ليس ثابتاً، بل هو مفهوم ديناميكي متحرك؛ “فعدو اليوم قد يكون صديق الغد، وصديق اليوم قد يصبح عدو الغد” بناءً على تغير المصالح والظروف.
تكمن الحكمة السياسية والاستراتيجية ليس فقط في القدرة على هزيمة الأعداء في ساحات المعارك، بل في :-
1) القدرة على قراءة نياتهم.
2) وتفكيك خططهم.
3) وإدارة الصراع معهم بأقل التكاليف.
4) مع السعي الدائم لتحويل التهديدات إلى فرص تخدم الاستقرار والبناء.
العداء الامريكي الصهيوني لايران
العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، هي واحدة من أعقد العلاقات السياسية والاستراتيجية في التاريخ الحديث. للوصول إلى الجذور الحقيقية لهذا العداء، يجب تفكيك المشهد إلى شقين رئيسيين: اولا – الأسباب التاريخية والأيديولوجية.
ثانيا – والمصالح الجيوسياسية والأمنية الحالية.
والان سنقوم بتحليل شامل ومبسط لأسباب هذا العداء:
أولاً: جذور العداء بين أمريكا وإيران
قبل عام 1979، كانت إيران (تحت حكم الشاه محمد رضا بهلوي) حليفاً استراتيجياً وثيقاً للولايات المتحدة في الشرق الأوسط. لكن كل شيء تغير جذرياً بعد الثورة الإسلامية.
1 – الثورة الإسلامية عام 1979: أطاحت الثورة بنظام الشاه المدعوم من واشنطن. وتأسس نظام “الجمهورية الإسلامية” بقيادة الامام الخميني رض ، القائم على أيديولوجية مناهضة للهيمنة الغربية، واعتبر الولايات المتحدة “الشيطان الأكبر” الذي يتدخل في شؤون الشعوب وينهب ثرواتها.
2 – أزمة الرهائن في السفارة الأمريكية: اقتحام السفارة الأمريكية في طهران عام 1979 واحتجاز 52 ديبلوماسياً أمريكياً لمدة 444 يوماً شكل صدمة نفسية وسياسية عميقة في الوجدان السياسي الأمريكي، وكانت نقطة القطيعة الرسمية التي لم تُشفَ منها العلاقات حتى اليوم.
3 – تصدير الثورة ومناهضة النفوذ الأمريكي: تبنى النظام الإيراني الجديد مبدأ “تصدير الثورة” ودعم الحركات المناهضة للمشاريع الأمريكية في المنطقة، مما هدد مصالح واشنطن وحلفائها التقليديين (مثل دول الخليج).
ثانياً: أسباب العداء بين إسرائيل وإيران
على غرار العلاقة مع أمريكا، كانت إيران وإسرائيل تتمتعان بعلاقات جيدة (غير رسمية ولكن وثيقة) قبل عام 1979. وتغيرت المعادلة كلياً بعد الثورة لأسباب عقائدية وأمنية:
1 – الأيديولوجية والموقف من القضية الفلسطينية: تبنت طهران موقفاً راديكالياً يرفض شرعية وجود دولة إسرائيل، واعتبرتها “غدة سرطانية” يجب إزالتها، وسحبت الاعتراف بها وسلمت مبنى السفارة الإسرائيلية في طهران لمنظمة التحرير الفلسطينية. أصبح دعم القضية الفلسطينية ركيزة أساسية لشرعية النظام الإيراني داخلياً وإقليمياً.
2 – محور المقاومة وطوق الوكلاء: قامت إيران ببناء شبكة من الفصائل المسلحة الحليفة لها على حدود إسرائيل أو بالقرب منها (ما يُعرف بمحور المقاومة)، وأبرزها حزب الله في لبنان، وحركة حماس وحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، بالإضافة إلى فصائل في سوريا واليمن. ترى إسرائيل في هذا الوجود تهديداً وجودياً مباشراً لأمنها.
3 – المواجهة العسكرية المباشرة وغير المباشرة: لسنوات طويلة، دارت بين الطرفين “حرب ظل” تشمل اغتيالات لعلماء ومسؤولين إيرانيين، وهجمات سيبرانية، واستهداف سفن، وتطورت هذه المواجهة في الفترات الأخيرة إلى ضربات عسكرية مباشرة ومتبادلة بين البلدين.
ثالثاً: الملفات الساخنة المشتركة (مثلث العداء الحاضر)
يجتمع الموقف الأمريكي والإسرائيلي في مواجهة إيران حول ثلاثة ملفات استراتيجية كبرى:
1 – البرنامج النووي الإيراني
التخوف المشترك: ترى إسرائيل أن امتلاك إيران لسلاح نووي يمثل “تهديداً وجودياً” لها، بينما ترى واشنطن أن ذلك سيفجر سباق تسلح نووي في الشرق الأوسط ويهدد الأمن العالمي.
الخلاف حول الحل: تضغط إسرائيل باستمرار لمنع إيران من تخصيب اليورانيوم بكل الوسائل بما فيها العسكرية، بينما تتأرجح السياسة الأمريكية بين العقوبات الاقتصادية القصوى والمحاولات الدبلوماسية (مثل الاتفاق النووي لعام 2015 الذي انسحبت منه أمريكا لاحقاً).
2 – برنامج الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة
طورت إيران ترسانة ضخمة من الصواريخ والميرات القادرة على ضرب أي نقطة في الشرق الأوسط (بما في ذلك إسرائيل والقواعد الأمريكية). ترى واشنطن وتل أبيب أن هذا البرنامج يخل بميزان القوى الإقليمي ويهدد حرية الملاحة والتجارة الدولية (كما يحدث في البحر الأحمر).
3 – النفوذ الإقليمي (الجيوسياسي)
تسعى إيران إلى تثبيت نفوذها في العواصم العربية (بغداد، دمشق، بيروت، صنعاء)، وهو ما يعتبره المحور الأمريكي-الإسرائيلي محاولة لفرض هيمنة إقليمية تهدد أمن حلفاء أمريكا، وتطوق إسرائيل بحزام من النار.
واخيراً يمكننا القول من العداء ليس مجرد خلاف سياسي عابر، بل هو مزيج معقد من صراع الهويات والأيديولوجيات (بين نظام إسلامي ثوري ومحور غربي)، وصراع نفوذ وقوة على من يسيطر على المقدرات الاستراتيجية والأمنية لمنطقة الشرق الأوسط.




