الخميس - 18 يونيو 2026

وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ..!

منذ 4 أسابيع
الخميس - 18 يونيو 2026

✍️ السيد بلال وهبي ـ لبنان ||

 

 

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)

قال تعالى: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴿الإسراء: 36﴾

كل ما لم تقطع بصحته، وصدقه، من عقيدة، أو رأي، أو فكرة، أو علم، أو خبر، أو شهادة، لا يمكنك تقبله، ولا أن تعتقد به، ولا أن تتبعه، ولا أن تبني عليه مواقفك وخياراتك وقناعاتك، ولا أن تجعله منهجًا لك فيما تفكر، وفيما تقبل وترفض، وفيما تمارسه من نشاطاتك في الحياة.

إنك مسؤول عن جميع ذلك، مسؤول عما تسمع، وما أكثر الباطل، والكذب، والإفك، والإرجاف فيما تسمع، ومسؤول عما ترى، وما أكثر الباطل فيما ترى، لا سيما في زماننا هذا حيث الصور والكلام كلاهما (يُمَنتَج) يُقطَع من سياقه ويوصَل بسياق آخر مختلفٍ عنه، أو يُولَّد بالذكاء الصناعي، ولقد أصبحت العقول مستهدفة بالتضليل والتزييف وصناعة القناعات الوهمية، حتى غدت الشائعة عند كثير من الناس بمنزلة الحقيقة،

ولهذا جاء عن الإمام أمير المؤمنين (ع) أنه قال: “أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ إِلَّا أَرْبَعُ أَصَابِعَ الْبَاطِلُ أَنْ تَقُولَ: سَمِعْتُ، وَالْحَقُّ أَنْ تَقُولَ: رَأَيْتُ”

ومسؤول عما تعتقد به، وما أكثر الاعتقادات التي لو دققت فيها لبان لك بطلانها أو عدم كمالها، أو لظهرت شوائبها وعدم صمودها أمام الإشكالات والملاحظات العلمية، والسبب أنك تلقيت عقيدتك كموروث من آبائك وأجدادك، فاعتقدت بما اعتقدوا دون أن تكلَّف نفسك عناء البحث عن صحة أو بطلان ما اعتقدوا به، أو تلقيتها من البيئة المحيطة، أو تأثُّرًا بصديق وخليل.

وأنت أيضًا مسؤول عمَّا تشهد به، وما أكثر الشهادات التي لا تتطابق مع الواقع تمامًا، فما أكثر ما يُغَشُّ السمع والبصر، فتشهد بما رأيت وسمعت صادقًا في شهادتك، ولكنها غير متطابقة مع الواقع، وما أكثر ما يتعمَّد الشاهد إظهار جانب من الحقيقة وإخفاء أو تلبيس جانب آخر منها، وقد تكون الشهادة مختلقة كلها، ويكون الشاهد شاهد زور باختياره وإرادته.

إن المؤمن بل العاقل يلتزم الدقة في كل أموره، ويجعل العلم واليقين رائده وقائده، ولا يقفو ما ليس له به علم، في جميع شؤونه، وفيما يقبل وفيما يرفض، فالعلم واليقين هما أساس المعرفة في كل شيء، ولا شيء من الظن والتخمين والشك يسدُّ مسدَّهما، ومن يعتمد على ما دون العلم فإنه بذلك يبتعد عن الحقيقة،

بل يودي بالحقيقة ذاتها، فكيف إذا كنا في زمن تكثر فيه الشائعات، وتُزيَّن الشُّبُهات، وتُستهدف العقول بأصناف الشكوك والظنون والتخرَّصات، وتقدَّم للناس على أنها حقائق لا تُنكّر، وليت الأمر يقتصر على عالَمَي السياسة والإعلام، بل نراه في أبلغ صورها في الجامعات العلمية حيث يُرَوَّج لنظريات علمية على أنها حقائق ثابتة،

حتى إن من ينكرها يتَّهم بإنكار العلم نفسه، ويُرَوَّج لنظريات في قراءة التاريخ -أو عَرْضِه للناس- على أنها حقائق تاريخية ومن يُنكرها يوصَم بأشنع الصفات.

ولا يقتصر الأمر على الجامعات، بل يتخطاه إلى الساحة الدينية حيث نرى الكذب والاختلاق يحتلان مساحة مهمة من الخطاب الديني، ونرى تغييبًا أو تأويلًا متعمَّدًا للحقائق والثوابت، وتوجيهها باتجاهات تخدم أهداف هذه الطائفة أو ذاك المذهب، ثم يُرمى المخالف لذلك، بسهام التكفير، فيستباح ماله وعِرضه ودمه.

إن الآية الكريمة تنهى عن هذا المنطق الخطير، وتدعونا إلى اتباع ما هو علم واقعًا، أي ما نحن على يقين من صحَّته لا سِيَّما في مجال العقيدة، لأنها أساس كل تصوراتنا وقناعاتنا وقيمنا وسلوكياتنا، كما تنهانا الآية عن قول ما لم نتيقن من صِحَّته وصدقه، بل إن الروايات الشريفة تنهانا حتى عن قول ما هو صحيح إذا لم يكن الحال مناسبًا.

والآية الكريمة عندما تقول: “وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ” فإنها تنهانا عن أن نتبع خطى غيرنا، تنهانا عن أن نكون إمّعات، نتِّبع كل ناعِق، ونجري وراء كل داعٍ، دون أن يكون لنا رأي فيما نعتقد، ونقول، ونعمل، لأن ذلك تعطيل لمدركاتنا، وعدوان على إنسانيتنا بحرمانها من حقها في العلم والمعرفة، والاعتقاد اليقيني الذي لا يشوبه شك.

ومن أعمق ما تشير إليه الآية الكريمة أن الإنسان مسؤولٌ عن منهجه في المعرفة قبل أن يكون مسؤولًا عن أفعاله ومواقفه، فالقرآن لا ينهى عن الباطل وحسب، بل ينهى عن اتباع ما لم يثبت أنه حق، لأن كثيرًا من الانحرافات تبدأ من التساهل في التثبُّت، ومن الانقياد للشائعات والظنون وضغط البيئة والجماعة، والإسلام يريد للإنسان أن يكون واعيًا، بصيرًا، لا يجعل الشهرة أو الكثرة دليلًا على الحقيقة، بل يجعل العلم والبرهان ميزانه فيما يعتقد ويقول ويحكم.

فجر يوم الثلاثاء الواقع في: 19/5/2026 الساعة (04:18)