الخميس - 18 يونيو 2026

إستراتيجية البناء الرسالي: الصبر، والعمل الجماعي، والتغافل صمام أمان للأهداف الكبرى..!

منذ شهر واحد
الخميس - 18 يونيو 2026

د. عامر الطائي ||

 

 

إن أزمة الأمة اليوم، وفي صلبها فرقة المؤمنين وتشتت جهودهم، لا تكمن في نقص الإخلاص بقدر ما تكمن في غياب “الوعي الاستراتيجي” الذي يربط حركة الحاضر بآفاق المستقبل.

وعندما نستقرئ الفكر الإسلامي الأصيل، وتحديداً من خلال القراءة الواعية للعلماء ، نجد أن علاج هذه الفرقة يستند إلى ركائز ثلاث تشكل معاً منظومة عمل متكاملة: الصبر الواعي، روح الفريق، وحكمة التغافل.

إن انشغال الساحة المؤمنة بالخلافات الجانبية والمعارك الهامشية يعكس غياب الرؤية الكلية؛ فالنص القرآني يحذر بشدة من تفكك وحدة الصف بوصفه مدخلاً مباشراً للفشل والوهن،

كما في قوله تعالى: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} (الأنفال: 46).

هنا يربط القرآن العظيم بين ذهاب القوة (الريح) وبين التنازع، ويجعل “الصبر” هو الدريئة التي تحمي الجماعة من هذا الانزلاق. والصبر ليس استسلاماً أو قعوداً، بل هو ثبات استراتيجي وتحمل لوعثاء الطريق من أجل تحقيق الغايات العليا للدين والمجتمع.

هذا الصبر الاستراتيجي يتطلب بالضرورة الانتقال من “الأنانية الفردية” إلى “العمل بروح الفريق”، حيث يذوب الفرد في المجموع ليصبح لبنة في جدار رسالي صلب. وقد جسد أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) هذا المفهوم في عهده لمالك الأشتر وفي خطبه الإرشادية، مؤكداً على أن قوة الجماعة تكمن في تآلف قلوبها وتعاضد أفرادها،

حيث يقول (ع): “والزموا السواد الأعظم فإن يد الله مع الجماعة، وإياكم والفرقة فإن الشاذ من الناس للشيطان، كما أن الشاذ من الغنم للذئب”. إن العمل الجماعي يفرض على المؤمنين التنازل عن الخصوصيات والآراء الشخصية الضيقة لحساب المصلحة العامة، وهو ما يفتقده العمل المؤسساتي والرسالي عند غياب التخطيط بعيد المدى.

ولكي يستمر هذا الفريق في عطائه دون أن تنخر الخلافات جسده، برزت حاجة ملحة لستراتيجية “التغافل عن الأمور الصغيرة”. فالوقوف عند كل هفوة، ومحاسبة الشريك أو الأخ على كل زلة، يدمر الروابط ويفقد الجماعة بوصلتها نحو الأهداف الكبرى.

وفي هذا السياق، ينير لنا الإمام علي (ع) الدرب بقاعدته الذهبية: “من لم يتغافل تصعّب عيشه”، وقوله العميق: “أشرف خصال الكرم التغافل عن مَضامين الشَّر”. التغافل هنا ليس غباءً أو جهلاً، بل هو ترفع حكيم وذكاء اجتماعي يقدمه القائد والمصلح لإبقاء الصف متماسكاً.

إن المقاربة الفكرية للشيخ الآصفي تؤكد أن علاج الفرقة وغياب التفكير الاستراتيجي يبدأ من إعادة ترتيب أولويات العقل المؤمن؛ فبدلاً من استهلاك الطاقات في معارك صغرى وصراعات وهمية، يجب توجيه الجهود نحو البناء الحضاري، مستلهمين من القرآن كفاح الأنبياء، ومن نهج البلاغة حكمة الإمام علي (ع) في الصبر على مظالم الذات لحفظ بيضة الإسلام، ليكون التغافل سلاحاً، والعمل المشترك منهجاً، والصبر زاداً نحو تحقيق الأهداف الإلهية الكبرى.