الاثنين - 26 اكتوبر 2026

كاميرات تبتلع رواتب الفقراء… وإشارات معطلة تحاكم المواطن بدل الدولة..!

منذ 6 أشهر
الاثنين - 26 اكتوبر 2026

ضياء ابو معارج الدراجي ||

 

 

 

ليست المشكلة في أن تُفرض غرامة على من يستهتر بالقانون، فالدولة لا تقوم بلا نظام، والشارع لا يستقيم بلا احترام للإشارة والمرور.

لكن الكارثة حين يتحول القانون من وسيلة لتنظيم الحياة إلى فخ إلكتروني منصوب للمواطن، وحين تصبح الكاميرا أذكى من الدولة نفسها، وأكثر حضوراً من رجل المرور، وأكثر انتظاماً من الكهرباء والخدمات.

في يوم 10 أيار 2026 تم تبليغي بغرامة مرورية مقدارها 200 ألف دينار عن “عدم امتثال السائق لإشارات المرور الضوئية”، والمخالفة مسجلة بتاريخ الخميس 30 نيسان 2026 الساعة الحادية عشرة ليلاً، أي بعد عشرة أيام كاملة من وقوعها.

عشرة أيام كاملة لا يعلم المواطن خلالها أنه صار مطلوباً بدفع ثلث راتبه الاسمي بسبب كاميرا كانت تعمل وحدها في شارع تغرقه الظلمة، وإشارة قد تكون مطفأة أو معطلة أو تعمل بصورة عبثية لا يفهمها أحد.

أي عدالة هذه؟
كيف تُحسب عليّ مخالفة “عدم امتثال لإشارة ضوئية” بينما الإشارات نفسها في كثير من تقاطعات العراق بلا كهرباء، أو تومض بصورة عشوائية، أو تتحول إلى خردة معلقة فوق الأعمدة؟ وكيف يُعقل أن تكون الدولة عاجزة عن توفير إنارة شارع أو تنظيم تقاطع، لكنها تملك نظاماً خارقاً لالتقاط المخالفات وتكديس الغرامات؟

الأشد مرارة من الغرامة نفسها هو أسلوب التبليغ المتأخر. القانون يمنح المواطن ثلاثة أيام فقط ليستفيد من تخفيض نصف الغرامة، لكن كيف يستفيد وهو لا يعلم أصلاً بوجود مخالفة؟ يتم إبلاغك بعد عشرة أيام، وبعد أن تضيع عليك مدة السماح، ثم يقال لك: ادفع 200 ألف، وربما تتضاعف لاحقاً حتى تلتهم راتبك كله.

كأن الغاية ليست تنظيم المرور، بل نصب كمين مالي للمواطن.
وهنا تبدأ الأسئلة التي يهرب منها الجميع:
أين رجل المرور عندما تكون الإشارة حمراء لكنه يطلب من السائق السير لتخفيف الزخم؟
من يتحمل المسؤولية عندما يطيع المواطن توجيهات رجل المرور فتقوم الكاميرا بتسجيله مخالفاً؟
هل الكاميرا أعلى سلطة من رجل المرور نفسه؟
ومن يعوض المواطن حين يجد نفسه ضحية تضارب بين الواقع وبين جهاز إلكتروني لا يفهم ظروف الشارع؟

في العراق، أصبحت الكاميرات تعمل بدقة بينما الإشارات معطلة، وأصبحت المخالفات تصل أسرع من الكهرباء، وأصبح المواطن يشعر أن الدولة لا تتذكره إلا حين تريد سحب المال من جيبه.

الشارع العراقي اليوم مليء بالحفر، والظلام، والإشارات العاطلة، والزحامات الخانقة، والانقطاعات الكهربائية، ومع ذلك تُفرض غرامات خيالية وكأننا نقود في شوارع طوكيو أو دبي. لا طرق مؤهلة، لا تخطيط مروري، لا جسور كافية، لا تنظيم حقيقي، ثم يطالبون المواطن بدفع مبالغ تعادل ثلث راتبه لأنه عبر تقاطعاً مرتبكاً في منتصف الليل.

ما يحدث ليس “تطبيق قانون” بقدر ما هو جباية إلكترونية.

المواطن يشعر أن الكاميرا لا تحمي الأرواح بل تنتظر الخطأ لتقطع رزقه. الدولة وضعت السكين بيد الكاميرات وتركت المواطن أعزل في شوارع مظلمة وإشارات معطلة ومرور غائب.

إذا كانت الدولة تريد احترام القانون، فلتبدأ أولاً باحترام المواطن.
وفّروا شوارع صالحة، إشارات تعمل بصورة صحيحة، كهرباء مستقرة، رجال مرور موجودين فعلاً في التقاطعات، ثم بعد ذلك حاسبوا الناس.

أما أن تتركوا المدينة غارقة بالفوضى، ثم تنصبوا كاميرات لاصطياد البشر، فهذه ليست عدالة… بل عقوبة جماعية للفقراء وأصحاب الرواتب المحدودة.

200 ألف دينار على مخالفة في شارع مظلم عند الساعة 11 ليلاً ليست “تنظيماً للمرور”، بل رسالة قاسية تقول للمواطن العراقي:
أنت وحدك من يجب أن يدفع ثمن خراب الدولة.

ضياء ابو معارج الدراجي