الخميس - 18 يونيو 2026
منذ شهر واحد
الخميس - 18 يونيو 2026

الكاتب والباحث والاكاديمي صلاح الاركوازي ||

 

 

المفدمة
في الاونة الاخيرة بدأت عبارة ( الدولة العميقة ) تتكرر كثراً والتي أصبحت حديث كل وسائل الاعلام العالمية والانظار متوجهة على هذا العنوان ، حيث كل وسائل الاعلام متفقة على ان الدولة العميقة هي من تدير الامور و السياسات وكل شيء سواء على مستوى الدول او العالم حيث تُعد “الدولة العميقة” (Deep State) كياناً غير مرئي يتكون من تحالفات بين مؤسسات حيوية في الدولة (مثل العسكر، المخابرات، والبيروقراطية) تعمل بشكل مستقل عن السلطة السياسية المنتخبة لتوجيه السياسات الوطنية والحفاظ على الوضع الراهن.

اي يمكننا القول من ان أصل المصطلح، واستخداماته التاريخية نشأ كمصطلح «الدولة العميقة» أولا في تركيا في تسعينيات القرن الماضي،بعد ما عُرف بفضيحة سوسورلوك عام 1996، للتعبير عن شبكات من المجموعات وضباط القوات المسلحة الذين أخذوا على عاتقهم حماية علمانية الدولة التركية بعد قيامها على يد مصطفى كمال أتاتورك، ومحاربة أي حركة، أو فكر، أو حزب، أو حكومة، تهدد مبادئ الدولة التركية العلمانية، وكان ذلك أول تعريف وظهور لمفهوم (الدولة العميقة).

اي ان مفهوم الدولة العميقة بالإنجليزية Deep state) أو الدولة المتجذرة أو دولة بداخل دولة مفهوم شائع غير اختصاصي يُستخدم لوصف أجهزة حكم غير منتخبة تتحكم بمصير الدولة (كالجيش أو المؤسسات البيروقراطية المدنية أو الأمنية أو الأحزاب الحاكمة)، وقد تتكون الدولة العميقة بهدف مؤامراتي أو بهدف مشروع كالحفاظ على مصالح الدولة كنظام حكم. يفترض بأن للدولة العميقة عناصر موجودة في مؤسسات ومفاصل الدولة المدنية والعسكرية والسياسية والإعلامية والأمنية، وتقدر هذه العناصر التي تعمل صوب أهداف مشتركة من التأثير وتوجيه مؤسسات الدولة الرسمية وقراراتها السياسية.

من الأمثلة الشائعة على مفهوم الدولة العميقة، الدولة العميقة أو المتجذرة في تركيا، والدولة العميقة في الولايات المتحدة (وكالة الأمن المركزي واللوبيات), ومصر (الجيش وكبار رجال الأعمال)، وغيرها. من الممكن أن تكون الدولة العميقة، حين تسمى بدولة داخل دولة، أن تصف بعض الأحزاب والجماعات التي تتصرف كأنها دولة لكن ضمن حدود دولة معترف بها، أو الأجهزة المخابراتية لدولة ما.

برز بعد ذلك تلك المفهوم بتعريفات مشابهة في كل من الولايات المتحدة الأمريكية، مع إنشاء الوكالة المركزية للاستخبارات الأمريكية، وبدا أن الدولة العميقة تتمثل في شبكات السلطة السياسية في واشنطن، والسلطة الاقتصادية، والمالية، في وول ستريت، والتي تعمل على حماية مجموعة من شبكات المصالح المختلفة.
وفي مقالنا هذا سوف نسلط الاضواء على هذا المفهوم، جذوره، وأدواته:

اولا – مفهوم الدولة العميقة وأركانها
تُعرف الدولة العميقة بأنها “دولة داخل الدولة” أو حكومة موازية تمارس نفوذاً خفياً خارج نطاق الرقابة الديمقراطية. وتتشكل عادة من:

1. أجهزة سيادية: الجيش، المخابرات، والشرطة.
2. بيروقراطية متجذرة: موظفون حكوميون رفيعو المستوى لا يتغيرون بتغير الحكومات.
3. نخب اقتصادية وإعلامية: رجال أعمال ومؤسسات إعلامية تجمعهم مصالح مشتركة مع الأجهزة السيادية.

وهنا قد يتبادر الى ذهن الكثيرين هذا السؤال وهو …كيف تنشأ الدولة العميقة ؟
وللاجابة على هذا السؤال لابد ان نعرف حقية جوهرية من أنها ( اي الدولة العميقة ) تنشأ كنتيجة لتراكم النفوذ داخل مؤسسات الدولة غير المنتخبة، حيث تتحول هذه المؤسسات بمرور الزمن من “أدوات تنفيذية” إلى “مراكز قوى” مستقلة تسعى للحفاظ على بقائها وحماية أجنداتها الخاصة بعيداً عن تقلبات السياسة والانتخابات.

تتشكل هذه الظاهرة من خلال عدة مسارات مترابطة:
1. تجذر البيروقراطية والخبرة التقنية : مع تعقد مهام الدولة الحديثة، تزداد الحاجة إلى موظفين مهنيين دائمين (تكنوقراط) يمتلكون “ذاكرة المؤسسة” والخبرة الفنية التي يفتقر إليها السياسيون المنتخبون الذين يتغيرون كل بضع سنوات. هذا الاستمرار يمنح البيروقراطيين قدرة على توجيه السياسات من الداخل أو تعطيل ما لا يتوافق مع رؤيتهم المؤسسية.

2. تراكم القوة في الأجهزة السيادية (الجيش والمخابرات) : تنشأ النواة الصلبة للدولة العميقة غالباً في فترات الأزمات الكبرى أو الحروب، حيث تُمنح الأجهزة الأمنية صلاحيات واسعة وميزانيات ضخمة تحت بند “الأمن القومي”. بمرور الوقت، ترفض هذه الأجهزة التخلي عن نفوذها، وتنشئ شبكات سرية لحماية النظام القائم من أي تغيير جذري قد يقوم به المدنيون.

3. التحالف مع المصالح الاقتصادية الكبرى : لا تقتصر الدولة العميقة على المؤسسات الحكومية فقط، بل تمتد لتشمل تحالفات مع نخب مالية وصناعية (مثل مجمعات التصنيع العسكري) التي تعتمد في أرباحها على سياسات الدولة المستقرة. هذه النخب تمول حملات سياسية وتدعم مراكز أبحاث لتوجيه الرأي العام والقرارات السيادية بما يخدم مصالحها المشتركة مع أجهزة الدولة

4. التوجهات الأيديولوجية وحماية “هوية الدولة” : في نماذج مثل النموذج التركي (المنشأ الأصلي للمصطلح)، نشأت الدولة العميقة لحماية أيديولوجية معينة (مثل العلمانية الكمالية) ضد أي تيارات سياسية صاعدة قد تهدد هذه المبادئ، مما جعل الجيش والمخابرات يعتبرون أنفسهم “حراس الدولة” الحقيقيين فوق القانون والانتخابات.

5. ثقافة السرية والغموض : يساهم الطابع السري لعمل أجهزة المخابرات والعمليات العسكرية في خلق بيئة مثالية لنمو الدولة العميقة، حيث تتم الكثير من التفاهمات والقرارات خلف أبواب مغلقة بعيداً عن رقابة البرلمان أو القضاء .

باختصار: الدولة العميقة هي نتاج تقاطع الاستمرارية البيروقراطية، القوة الأمنية، والمصالح الاقتصادية، عندما تعتقد هذه الأطراف أنها الأقدر على إدارة الدولة من السياسيين العابرين

ثانياً – الجذور التاريخية والنشأة
1. النشأة التركية: يعود أصل المصطلح الحديث إلى تركيا في التسعينيات (Derin Devlet)، حيث تشكلت شبكة سرية لحماية المبادئ العلمانية للدولة ومنع أي تغيير سياسي جذري.
2. النموذج الأمريكي: برز المفهوم في الولايات المتحدة منذ الخمسينيات، وحذر الرئيس أيزنهاور في خطاب وداعه (1961) من تنامي نفوذ “المجمع الصناعي العسكري”.
3. نماذج دولية أخرى: يُستشهد بالحرس الثوري في إيران كمثال للدولة العميقة نظراً لقوته الاقتصادية والسياسية المستقلة .

ثالثاً – آليات العمل والأهداف
تعمل الدولة العميقة من خلال عدة أساليب لضمان استمرارية مصالحها:

1. التحكم في المعلومات: عبر تقارير استخباراتية موجهة أو تسريبات إعلامية مدروسة.
2. عرقلة التغيير: كبح جماح المسؤولين المنتخبين الذين يتبنون سياسات تهدد مراكز قوى الدولة العميقة.
3. استخدام الوسائل غير المشروعة: قد تلجأ في حالات الأزمات الكبرى إلى القمع، الاغتيالات، أو تدبير انقلابات للحفاظ على بنية النظام.

رابعاً – الموقف الأكاديمي والنقدي
تتباين الآراء حول جدوى هذا المفهوم كأداة تحليلية:

1. المنظور النقدي: يرى بعض الباحثين أن المصطلح “فضفاض وضبابي” ويقترب من نظريات المؤامرة، مما يجعله أحياناً أداة بيد السياسيين لمهاجمة خصومهم في المؤسسات الحكومية.
2. المنظور الدفاعي: يجادل باحثون مثل فرانسيس فوكوياما بأن ما يُسمى بالدولة العميقة في الديمقراطيات المتقدمة هو مجرد بيروقراطية مهنية ضرورية لتقديم الخدمات وضمان استقرار الدولة بعيداً عن تقلبات السياسة.

ويمكن القول من أن تأصيل المفهوم بالمعنى العام، يقصد «بالدولة العميقة» شبكة الاشخاص الذين ينتمون إلى تنظيم غير رسمي، له مصالحه الواسعة، وامتداداته العريضة في الداخل والخارج. ونقطة القوة فيه أن عناصره الأساسية لها وجودها في مختلف مؤسسات ومفاصل الدولة، المدنية، والعسكرية، والسياسية، والإعلامية، والأمنية.. الأمر الذي يوفر لتلك العناصر فرصة توجيه أنشطة مؤسسات الدولة الرسمية، والتأثير في القرار السياسي..

إلا أن مصطلح الدولة العميقة ليس مفهوماً واضحاً يمكن الارتكان غليه في مجال العلوم السياسية، وهو مصطلح فضفاض، وبات تحميل مسؤولية ما يحدث في كل دولة إلى الدولة العميقة فيها.

ويرى العديد من الباحثين، أن للدولة العميقة وجهان، أحدهما معلن وظاهر.. والآخر خفي، غير معلن:
الأول: يتمثل في رجالها الذين يتبوؤون مواقع متقدمة في مؤسسات الدولة، والجيش، والبرلمان، والنقابات، إلى جانب مؤسسات الإعلام، ونجوم الفن والرياضة.

والوجه الآخر الخفي: يتولى تحريك الأطراف المعنية في مؤسسات الدولة، لتنفيذ المخططات المرسومة.. مما يعني أننا هنا أمام «دولة موازية»، حسب المؤرخ الأمريكي روبرت باكستون.

في حين يربط باحث آخر هو «بيتر سكوت»، بين مصطلح «الدولة العميقة» وبين مصطلح «السياسة العميقة»، والتي يقصد بها كل الممارسات والترتيبات السياسية المتعمدة أو غير المتعمدة، والتي يتم قمعها عادة بدلا من الاعتراف بها، وقد حاول سكوت من خلال مصطلح «السياسة العميقة» تعريف «الدولة العميقة»، ولكن على نطاق أوسع يمكِّنه من التطبيق على الحالة الأمريكية. فقد حاول توصيف حالة التفاعل بين الدولة الدستورية الشرعية القائمة، والقوى العميقة التي تقف وراءها ذات الثروة والسلطة، والتي تستخدم العنف خارج إطار الحكومة، وهو ما أطلق عليه (الباب الخلفي للدولة)، أو طريق الهروب أمامها، مما يتيح الوصول إلى قوى الظلام، خارج نطاق القانون.
وهكذا فان مصطلح «الدولة العميقة» يعبر عن:

ذلك التحالف العميق الذي يجمع بين ظهرانيه بنيات الدولة المختلفة، من مركب إداري، وسياسي، وإعلامي، ومؤسسة عسكرية، واستخبارات، وقضاء، ومثقفين، ورجال دين.. تجمعهم مصالح اقتصادية ومشاريع تجارية ومالية، وعلاقات اجتماعية وعائلية، وطقوس احتفالية، وانتماءات طائفية، أو مذهبية، وما سواها..

وتوحدهم جميعا «رابطة» واحدة منطلقها ومؤداها: الإبقاء على مصالحهم وامتيازاتهم الخاصة، واستثناؤهم من أية محاسبة أو مساءلة، ثم عدم تعرضهم لأية متابعة قضائية إن اهتز النظام القائم، أو استجدت أحداث من شأنها زعزعة المنظومة.

إنها عبارة عن تحالف اجتماعي عميق، مع طبقات اجتماعية، أو شرائح فيها.. وخاصة بيروقراطية الدولة، وأجهزة الحكم المحلي. ويمتد هذا المركب إلى قطاع من المجتمع المدني، علما ان لهذا المركب امتدادات اقليمية ودولية.

كيف تعمل الدولة العميقة؟
لعله من أحد أدوات عمل الدولة العميقة للحفاظ على شبكات المصالح بداخلها، هو استخدام «العنف» في إطار حالات استثنائية خارج إطار القانون، وهو ما يعرف بحالة الاستثناء، والتي يتخذ فيها العديد من الاجراءات الأمنية، بدعوى الحفاظ على الأمن القومي من الخطر الخارجي. وأن هناك دائما عدو مترصد لابد من التأهب دائما لصدهِ عن ما يشكله للدولة من تهديد، وفي إطار ذلك تقوم الدولة بقمع المعارضين، وكل من هم لا يشعرون بالرضا عن أداء الدولة بشكل عام، والسياسي بشكل خاص، ويكون الهدف هو إضفاء طابع قانوني على حالة الاستثناء. وليس بعيدا أن تستغل المؤسسات الدينية، التي تسيطر عليها الدولة لتبرير تلك الاجراءات من الناحية الدينية، حتى تضع طابع “شرعي – ديني” على ممارسات الدولة الأمر الذي يجعل المواطنين يلتزمون الصمت.

اي يمكن القول ان الدولة العميقة (Deep State) تعمل كشبكة نفوذ سرية وغير رسمية تتغلغل داخل مؤسسات الدولة الرسمية، لتمارس سلطة فعلية تتجاوز قرارات الحكومات المنتخبة أو القيادات السياسية المعلنة .

وان الية عمل هذه الدولة تعتمد على عدة ركائز أساسية:
1) تغلغل القيادات غير المنتخبة: تتكون من كبار المسؤولين الدائمين في أجهزة المخابرات، والجيش، والقضاء، والبيروقراطية الإدارية. هؤلاء لا يغادرون مناصبهم بتغير الحكومات، مما يمنحهم القدرة على توجيه السياسات طويلة الأمد.
2) التحكم من خلف الستار: تمارس نفوذها عبر التحكم في التعيينات الحساسة وفرض “خطوط حمراء” لا تستطيع الحكومات تجاوزها. كما تعمل على إفشال أي مشاريع إصلاحية قد تهدد مصالحها أو نفوذها.
3) التحالف مع مراكز القوة: لا تقتصر على المؤسسات الحكومية، بل تمتد لتشمل تحالفات مع رجال أعمال نافذين، ومؤسسات إعلامية، وأحياناً قيادات دينية، لضمان حماية مصالح اقتصادية وأيديولوجية مشتركة.
4) استغلال البيروقراطية والإعلام: تستخدم الجهاز الإداري لتعطيل الإجراءات أو تطويلها، كما توظف الآلة الإعلامية لتهيئة الرأي العام أو “شيطنة” الخصوم السياسيين الذين يحاولون تقليص نفوذها.
5) الاستقرار المزيف: غالباً ما تفضل هذه الشبكات الحفاظ على “الوضع الراهن” الذي يخدم مصالحها، حتى لو أدى ذلك إلى استقرار هش بلا تنمية حقيقية.

وختاما يمكننا القول الدولة العميقة يختلف واقع وجودها بين كونها حقيقة مؤسسية في بعض الأنظمة (مثل تركيا قديماً أو مصر) وبين اعتبارها “نظرية مؤامرة” في ديمقراطيات أخرى لوصف صراعات القوة داخل أجهزة الدولة.

ملاحظة :- نظرا لاهمية الموضوع وخطورته تعمدنا تكرار بعض الفقرات .