أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ..!
✍ السيد بلال وهبي ||

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)
قال تعالى: أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿62﴾ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴿63﴾ لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴿يونس: 64﴾.
أولياء الله لا يخافون، ولا خوف عليهم، لا يخافون لأنهم مع الله، ومن يكن مع الله الواحد القهار، ومن بيده مصائر الخلق أجمعين، لا يخيفه شيء، ولا يُقلقه شيء؛ فهو آمن مطمئن القلب، ساكن الروع، ولو كانت العواصف الهوجاء تحيط به من كل جانب، ويهجم عليه الأشرار من حدبٍ وصوب.
وأولياء الله لا خوف عليهم؛ لا خوف عليهم من ضلال، لأنهم في هداية الله وتسديده وتوفيقه، ولا خوف عليهم من خسران، لأنهم ينظرون إلى أمور الدنيا بعين الله تعالى لا بعيونهم، ولا خوف عليهم من أذى؛ لأن ما يصيبهم في الله يهون. أليس قد قال الإمام الحسين (ع)، وهو ولي الله الأعظم: “هَوَّنَ ما نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ”.
لكن من هم أولياء الله؟
أولياء الله: هم الذين يجعلون ولاءهم لله وحده، يؤمنون به إلهًا خالقًا مُدبِّرًا رازقًا حاكمًا، له ملكوت السماوات والأرض، يُعزُّ من يشاء ويُذلُّ من يشاء، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير. فهم لأمره مطيعون، وللقرب منه راغبون، ولوجهه الكريم يعملون.
أولياء الله: هم الذين لا حاجب يحجبهم عن الله، ولا حائل يحول بينهم وبين الله؛ قد زالت الحجب عن قلوبهم، فاستنارت بنور المعرفة والإيمان، فرأوا الله بعيون قلوبهم، حتى بلغوا أعلى درجات اليقين، بحيث لو كُشِف لهم الغطاء ما ازدادوا يقينًا، واستضاءت قلوبهم بالأعمال الصالحة الخالصة لوجه الله.
“عَظُمَ الْخَالِقُ فِي أَنْفُسِهِمْ، فَصَغُرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ، فَهُمْ وَالْجَنَّةُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا، فَهُمْ فِيهَا مُنَعَّمُونَ، وَهُمْ وَالنَّارُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا، فَهُمْ فِيهَا مُعَذَّبُونَ” كما جاء في خطبة المتقين للإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع).
وقد اختصرت الآية أهم صفتين جامعتين لأولياء الله، فهم: “الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ”، فالإيمان هو الأصل والمعتقد، وعليه تُبنى كل أحوالهم وأفعالهم ومواقفهم، وهم متقون، يراقبون الله في كل شيء، فلا تكون منهم مخالفة لأمره، ولا تجاوز لحدٍّ من حدوده. وفي التعبير عن الإيمان بالماضي “الذين آمنوا”، وعن التقوى بالمضارع “وكانوا يتقون”، إشارة إلى أن الإيمان يسبق التقوى، التي تقوم على اتقاء محارم الله، لأن هذا الاتقاء من معطيات الإيمان بالله.
جاء في الحديث عن علي زين العابدين (ع) أنه قال: “أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ، إِذَا أَدَّوْا فَرَائِضَ اللَّهِ، وَأَخَذُوا بِسُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ (ص)، وَتَوَرَّعُوا عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ، وَزَهِدُوا فِي عَاجِلِ زَهْرَةِ الدُّنْيَا، وَرَغِبُوا فِيمَا عِنْدَ اللَّهِ، وَاكْتَسَبُوا الطَّيِّبَ مِنْ رِزْقِ اللَّهِ، لَا يُرِيدُونَ التَّفَاخُرَ وَالتَّكَاثُرَ، ثُمَّ أَنْفَقُوا فِيمَا يَلْزَمُهُمْ مِنْ حُقُوقٍ وَاجِبَةٍ، فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ بَارَكَ اللَّهُ لَهُمْ فِيمَا اكْتَسَبُوا، وَيُثَابُونَ عَلَى مَا قَدَّمُوا لِآخِرَتِهِمْ.”
وجاء في الحديث عن علي بن أبي طالب (ع) أنه قرأ قوله تعالى: “أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ”. ثم قال: “تَدْرُونَ مَنْ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ”؟ قَالُوا: مَنْ هُمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ: “هُمْ نَحْنُ وَأَتْبَاعُنَا مِمَّنْ تَبِعَنَا مِنْ بَعْدِنَا. طُوبَى لَنَا وَطُوبَى لَهُمْ، أَفْضَلُ مِنْ طُوبَى لَنَا”.
قَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا شَأْنُ طُوبَى لَهُمْ أَفْضَلُ مِنْ طُوبَى لَنَا؟ أَلَسْنَا نَحْنُ وَهُمْ عَلَى أَمْرٍ؟ قَالَ: “لَا، إِنَّهُمْ حَمَلُوا مَا لَمْ تُحَمَّلُوا عَلَيْهِ، وَأَطَاقُوا مَا لَمْ تُطِيقُوا”.
ولأولياء الله البشرى، ويا لعظمة هذه البشرى! فهي بشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة، فلا تقتصر على نشأة دون أخرى.
هكذا قضت إرادة الله وكلمته، وما بعد البشرى أعظم منها؛ فإن البشريات المسعدة برضا الله ورضوانه تتنزل عليهم، بما يكشف لهم منازلهم عند الله، وما سيلقون في نعيم جناته من كرامة وتكريم.
إن الله ليبشِّر أولياءه في الدنيا ببشارات كثيرة، منها ذكرهم في الناس بالكلمة الطيبة التي تُقال فيهم، لحسن سيرتهم واستقامة طريقهم، ومنها ما يملأ الله به قلوبهم من رضا وسكينة في السراء والضراء على السواء، ومنها استقامة طريقهم، وتحقق أهدافهم، وانتصارهم على أعدائهم، والتمكين لهم في الأرض، يعبدونه لا يشركون به شيئًا.
وإنه تعالى ليبشر أولياءه في الآخرة ببشارات كثيرة وعظيمة، أدناها أن يغادروا الدنيا وهو راضٍ عنهم، وأن يخرجوا منها برآء من الذنوب، وتتلقاهم الملائكة بالسلام، ويسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم، ويُسكنهم الله في عليين، في مقعد صدق عنده، ورضوانٌ منه فوق كل ذلك، وذلك هو الفوز العظيم.
فجر يوم الجمعة الواقع في: 1/5/2026 الساعة (04:42)




