تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ..!
✍️ السيد بلال وهبي ـ لبنان ||

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)
قال تعالى: لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴿التوبة:117﴾
أجمع المفسِّرون على أنَّ هذه الآية الكريمة نزلت في لحظةٍ حرجةٍ من تاريخ الإسلام، وهي معركة تبوك، التي مثَّلت امتحانًا عظيمًا للمسلمين، وغربالًا يُغربل الصادقَ من المنافق، وثابتَ القدم في الإيمان من المتزلزل، والمبدئيَّ من المصلحي، ومن هو مستعدٌّ أن يذهب بعيدًا في التضحية من أجل دينه ومبادئه. هذه اللحظة الحرجة سمَّاها القرآن الكريم ساعةَ العُسرة، لما أحاط بها من ظروفٍ شديدة الصعوبة والضيق، ومواجهةِ قوَّةٍ عظمى آنذاك هي الروم.
فجاءت الآية الكريمة لتسجِّل موقفًا إيمانيًّا خالدًا، وتكشف طبيعة النفس البشرية تحت الضغط، ثم تفتح باب الرحمة والتوبة والقبول.
ينقل المؤرِّخون أن المسلمين لم يعانوا مثل ما عانوه في معركة تبوك من الضغوط والمشقَّات، لأن المسير إلى تبوك كان في وقت اشتداد حرِّ الصيف، وفصلِ قطاف الثمار القليلة، وكان قد سبقه قلَّةُ مطرٍ أدَّت إلى قحطٍ أنهك الناس وأثَّر في أوضاعهم، ناهيك عن بُعد المسافة ومشقَّة السير، وقلَّة وسائل النقل من جمالٍ وخيولٍ، إلى الحدِّ الذي كان يضطرُّ معه عشرةُ أشخاصٍ إلى أن يتناوبوا على ركوب وسيلةٍ واحدة.
ويقول المؤرِّخون إنَّ بعض المشاة لم يكونوا يمتلكون حتى النعل، فكانوا مضطرِّين إلى السير على رمال الصحراء الحارقة بأقدامٍ عارية.
أمَّا قلَّة الزاد، فقد دعتهم إلى أن يتشارك عدَّةُ أشخاصٍ في تمرةٍ واحدةٍ أحيانًا، فيمصُّ كلٌّ منهم التمرة ويعطيها لصاحبه حتى لا يبقى منها إلا النواة، وكان عدَّةُ أفرادٍ يشتركون في جرعة ماء.
لكن، على الرغم من كل هذه الأوضاع، فإن معظم المؤمنين كانوا يتمتَّعون بمعنوياتٍ عالية، وإصرارٍ على المُضيِّ قُدُمًا إلى ملاقاة العدو، لكن قلَّةً منهم أُصيبوا في معنوياتهم، وزاغت قلوبهم، وفكَّروا في أن يتخلَّفوا عن الخروج، وبعض هؤلاء فكَّر في الرجوع من أوَّل الطريق، لكن المعنويات العالية للأكثرية منهم، ولطفَ الله سبحانه بهم، هو الذي صرف هؤلاء عن هذه الفكرة، ليلتحقوا بجماعة المجاهدين في طريق الحق.
وقد عبَّر الله تعالى عن لطفه هذا ورأفته بقوله: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾، والتوبة هنا ليست توبةً على ذنب، فالنبي (ص) معصومٌ بالبراهين العقلية القطعية، وعصمته مطلقة، وإنما تعني رجوع الله عليهم باللطف والرأفة والرحمة والعناية والتوفيق، وتخفيفَ ما اعترضهم من مشقَّات، وتيسيرَ المتعسِّر من أمورهم. وهذا المعنى صحيحٌ تمامًا، لأن التوبة من الله تعالى تعني الرجوع بالرحمة على التائب، ومن العبد تعني رجوعه عن الذنب.
بعد هذا العرض العام، ها هنا أمورٌ مهمَّة نستفيدها من الآية الكريمة:
أولًا: إن المؤمن قد ينتابه الضعف في بعض المواقف والأحوال، لكنه لا يسقط، وإنما يستعيد همَّته سريعًا، وينطلق في ميادين الحياة، أو ميادين الصراع مع الباطل وأهله، بشجاعةٍ وثقةٍ ويقينٍ بالنصر.
ثانيًا: إن الأزمات والصعوبات والابتلاءات، لا سيَّما الحروب منها، هي الآلة التي تكشف معادن الناس، والغربال الذي يفرز الصادق من المنافق، والثابت من المتقلقل؛
ففي الرخاء يستوي الناس، ولا يمتاز بعضهم من بعض إلا لدى ذي البصيرة. والأتباع كذلك يكثرون حول المصلحين والقادة طمعًا فيما في أيديهم، لكنهم في العسر والضيق والمشقَّة يتسلَّلون بعيدًا، كلٌّ يلوذ بمن يحميه ويوفِّر له مصالحه، ويقلُّ المخلصون، ويبقى الثابتون الموقنون.
ثالثًا: إن الجماعة المؤمنة الصالحة تقوِّي إيمان الفرد، وتعينه على الثبات، وتلهب فيه روح الشجاعة والإقدام، أمَّا لو خرج وحيدًا فريدًا لتحقيق هدفٍ أو ملاقاةِ عدوٍّ، فقد يضعف أو يتسرَّب إليه الخوف والشعور بالوحشة.
رابعًا: لا شكَّ أن المرحلة الراهنة التي نعبرها، والمواجهة التاريخية العظيمة التي نحن في خضمِّها، هي ساعةُ عُسرةٍ؛
إذ سبقتها وتصاحبها حروبٌ اقتصادية ومالية عاتية، وحروبٌ سياسية وإعلامية ونفسية شعواء، مما ينتج عن ذلك قلقٌ نفسي، وفقدانُ أملٍ عند شريحةٍ من الناس، ولو كانوا قلَّةً، والحمد لله.
في هذا المجال تقدِّم الآية الكريمة لنا منهجًا للتعامل مع ما مرَّ، وأهمُّه أن نعتقد أن العسر الذي نعيشه لا يعني تخلِّي الله عنا، ولا يعني أننا متروكون وشأنَنا، بل يرعانا الله بلطفه ورأفته، وأن الغلبة والنصر لا بدَّ لهما من صبرٍ ومصابرة، ولا يأتيان من الهروب من مواجهة العدو والاستسلام له.
فجر يوم الأربعاء الواقع في: 29/4/2026 الساعة (04:40)




