الخدمة الإلزامية في العراق بين إرث الماضي ومتطلبات الدولة الديمقراطية..!
✍️ د. ماجد الشويلي ||
2026/4/23

في النقاش الدائر حول إعادة تشريع قانون الخدمة الإلزامية، يبرز خلل منهجي ينبغي التنبه له منذ البداية، وهو استحضار الصورة الذهنية التي ارتبطت بهذه الخدمة في حقبة النظام السابق، وإسقاطها على واقع مختلف كليًا من حيث البنية السياسية والقانونية. فالتجربة التي عاشها العراقيون في ظل نظام سلطوي لا يمكن أن تكون معيارًا للحكم على تشريع يُفترض أن يصاغ اليوم في إطار نظام ديمقراطي يقوم على الدستور والحقوق والرقابة المؤسسية. إن المقارنة هنا، إذا لم تكن دقيقة، ستفضي إلى أحكام مسبقة تعيق أي نقاش موضوعي.
لذا نورد مايلي؛
اولا :- ضمن هذا الإطار، يمكن النظر إلى الخدمة الإلزامية بوصفها أداة ذات أبعاد اجتماعية وتربوية وأمنية، لا مجرد واجب عسكري. فمن أبرز ما يمكن أن تحققه هو انتشال شريحة واسعة من الشباب من براثن الظواهر الاجتماعية الخطيرة التي أخذت تتفشى في المجتمع، كالمخدرات والانحراف السلوكي، عبر إدخالهم في بيئة منضبطة تُعيد توجيه طاقاتهم نحو مسارات أكثر إنتاجية.
ثانيا:- إن وجود حافز مرتبط بمزايا الخريجين داخل الخدمة الإلزامية يمكن أن يسهم في دفع الشباب إلى الاجتهاد في طلب العلم. فالشاب الذي يدرك أن مستواه العلمي سينعكس على طبيعة خدمته ومدتها، سيجد نفسه مدفوعًا نحو التفوق الدراسي، لا بدافع الخوف وحده، بل بدافع تحسين مستقبله وتخفيف الأعباء عنه.
ثالثا:- ومن زاوية وطنية أوسع، تملك الخدمة الإلزامية قدرة فريدة على تعزيز الاندماج بين مكونات المجتمع العراقي. إذ إن جمع شباب من خلفيات سنية وشيعية وكردية وتركمانية، ومن مختلف المحافظات، في بيئة واحدة، يتيح لهم التعارف المباشر وكسر الصور النمطية التي غذّتها بعض وسائل الإعلام والأجندات المغرضة. هذا الاحتكاك اليومي يمكن أن يبدد الكثير من الأوهام، ويؤسس لوعي وطني جامع يتجاوز الانقسامات الفرعية.
رابعا:- لا تقتصر آثار الخدمة على الجانب الاجتماعي، بل تمتد إلى بناء شخصية الفرد نفسه. فهي تعزز الثقة بالنفس، وتنمي روح الاعتماد على الذات، وتطوّر القدرات البدنية والفكرية. كما تمنح الشباب فرصة التعرف على جغرافية بلدهم وثقافاته المتنوعة، من خلال التنقل أو التعايش مع زملاء من مناطق مختلفة، وهو ما يشكل رصيدًا معرفيًا يصعب اكتسابه في الظروف الاعتيادية.
خامسا:- ومن الجوانب المهمة أيضًا، تعويد الشباب على الالتزام والانضباط، وإدراك قيمة الأسرة عند الابتعاد عنها، وهو بعد إنساني وتربوي غالبًا ما يُغفل في هذا النقاش. كذلك يمكن للخدمة الإلزامية، إذا أُحسن تصميمها، أن تتحول إلى مؤسسات إنتاجية تسهم في دعم الاقتصاد، من خلال إشراك المجندين في أعمال الزراعة والصناعات الحرفية، بما يحقق منفعة مزدوجة للفرد والدولة.
سادسا:- أما على المستوى الأمني، فمهما بلغ التطور التكنولوجي في الجيوش، يبقى العنصر البشري أساسًا لا غنى عنه، خاصة في مسك الأرض وتأمينها. ومن هنا، فإن وجود قاعدة واسعة من المدربين يتيح للدولة تغطية جغرافية البلاد بصورة أفضل، والتعاطي مع التحديات الأمنية بكفاءة أعلى.
سابعا:- قد يُثار الجانب المالي بوصفه عائقًا أمام هذا المشروع، إلا أن المقارنة المنصفة تشير إلى أن الكلفة المتوقعة قد تكون أقل بكثير من كلفة معالجة الآثار المترتبة على تفشي الظواهر السلبية في المجتمع، سواء على الصعيد الأمني أو الصحي أو الاجتماعي.
كالعمل على مكافحة تفشي ظاهرة تعاطي المخدرات عند شريحة المراهقين.
ثامنا:- تبقى كل هذه الإيجابيات مشروطة بصياغة قانون دقيق ومتوازن، يراعي حقوق الأفراد، ويمنع أي استغلال أو انحراف، ويخضع لرقابة مؤسساتية صارمة. فالفارق الجوهري بين الأنظمة الديمقراطية والدكتاتورية لا يكمن في وجود الخدمة الإلزامية بحد ذاتها، بل في كيفية إدارتها، والغاية التي توضع من أجلها.
تاسعا:- وعليه، فإن النقاش حول الخدمة الإلزامية يجب أن ينطلق من رؤية مستقبلية، لا من ذاكرة مثقلة بالتجارب السلبية، وأن يوازن بين الحاجة إلى بناء مجتمع متماسك وآمن، وبين صيانة كرامة الفرد وحرياته. فقط في ظل هذا التوازن يمكن أن تتحول الخدمة الإلزامية من عبء مرفوض إلى مشروع وطني جامع.




