الخميس - 18 يونيو 2026

هيكلة الانهيار: استراتيجية التحرير المؤسسي من إرث المحاصصة ومنظومات الفساد البنيوي..!

منذ شهرين
الخميس - 18 يونيو 2026

كندي الزهيري ||

 

تعدّ معضلة تغلغل الفساد في مفاصل الدولة العراقية وتحوله إلى “نسق بنيوي” التحدي الأكبر الذي يواجه وحدة الكيان الوطني وقدرته على الإستمرار، إذ لم يعد الفساد مجرد انحراف سلوكي لبعض الأفراد،

بل استحال إلى عقيدة إدارية ومنظومة مصالح متشابكة تقتات على غياب مفهوم [ “الدولة الضامنة” لصالح “اللا-دولة” القائمة] على المحاصصة والزبائنية.

إن هذا التآكل الذي وصل إلى النخاع يتطلب مقاربة إستراتيجية تتجاوز الحلول الترقيعية أو الشعارات العاطفية، لتمضي نحو إعادة صياغة العقد الإجتماعي والهيكل المؤسسي من خلال رؤية وطنية شاملة.

إن أولى خطوات الإصلاح الإستراتيجي تكمن في كسر حلقة “تسييس الرقابة”، فلا يمكن لمنظومة أفسد من الواقع أن تصلح ذلك الواقع، ومن هنا تنبثق ضرورة خلق “جزر نزاهة” معزولة تقنياً وسياسياً، تعتمد على الحوكمة الرقمية الشاملة كأداة قسرية لتحييد العنصر البشري في التعاملات المالية والإدارية، فالتكنولوجيا لا تحابي أحداً ولا تخضع للضغوط، وبتحويل مفاصل الدولة إلى نظام إلكتروني مغلق، نكون قد قطعنا شرايين الفساد الصغير والمتوسط التي تغذي (الرؤوس الكبيرة).

وعلى الصعيد الأخلاقي والمؤسسي، لا بد من إحياء مفهوم “الأمانة الوظيفية” عبر تفعيل ميثاق شرف مهني صارم يُربط بامتيازات مادية ومعنوية تجعل من النزاهة استثماراً رابحاً للموظف، مع ضرورة تمكين جهاز قضائي تخصصي يمتلك الحصانة المطلقة ضد التدخلات الحزبية، ويكون معنياً حصراً بملفات استرداد الأموال المنهوبة ومحاسبة “الفئات المعفاة” من المساءلة تاريخياً.

إن بناء الثقة بين المواطن والمؤسسة يبدأ عندما يرى المواطن أن القانون يسري بصلابة على قمة الهرم قبل قاعدته، وأن المؤسسات الرقابية لم تعد أدوات للتصفيات، بل هي حائط الصد الأخير عن مقدرات الوطن.

إن الإنتقال من مرحلة التشخيص المرير إلى التطبيق الإستراتيجي يتطلب إرادة سياسية منبثقة من وعي شعبي ضاغط، يؤمن بأن استعادة الدولة ليست مجرد استعادة للأموال، بل هي استعادة للكرامة الوطنية وللمستقبل الذي تلتهمه منظومات الفساد كل يوم، وبدون هذا التحول الجذري في هيكلية السلطة والرقابة، سنظل ندور في حلقة مفرغة تشهد فيها المؤسسات زوالها التدريجي تحت وطأة الانحلال الإداري والقيمي.