الخميس - 18 يونيو 2026
منذ شهرين
الخميس - 18 يونيو 2026

اسعد عبد الله عبد علي ||
الاحد 19 نيسان 2026

 

 

 

تحت سماء بغداد المثقلة بالرطوبة، كان يسير وجوعه ينهش أحشاءه كذئبٍ جائع.

تحسس جيبه، فلم يجد سوى اربعة الاف دينار؛ كانت تمثل “خارطة طريق” ليومه: ألف لـ”لفة فلافل” تسكت صراخ معدته، وثلاثة الاف الباقية أمانٌ لرحلة الباص الطويلة نحو البيت.

أسرع الخطى نحو بائع الفلافل، وبينما كان يستعد لدفع ثمن لقمته، اقتحم سكونه نحيب طفل صغير يقف مكسور الخاطر. سأله بقلبٍ يسبق جوعه: “ما بك يا صغيري؟”، فأجاب الطفل والدمع يغسل وجهه الشاحب: “أمي أرسلتني لأشتري الصمون بألف دينار، وضاع مني في الزحام.. لا أجرؤ على العودة خالي الوفاض”.

دون تردد، مدّ الشاب يده وانتزع ألفاً من “خارطته”، وضعها في كف الصغير الذي طار فرحاً، وبقي في جيب الشاب ثلاثة الاف وصورة وجبة تلاشت نصف ملامحها.

لم يكد يخطو بضع خطوات، حتى وجد نفسه وجهاً لوجه أمام شيخوخةٍ مكبلة بالحاجة؛ عجوز يرتعش، يحمل في يده علبة علك تافهة الثمن، يتوسل المارة بكلماتٍ تخرج كأنها شظايا من روحه. نظر الشاب إلى الآلاف الثلاثة ثم إلى انكسار العجوز، فاستلّ ألفاً ثانية ومنحها للرجل دون أن يأخذ “العلك”، ليصبح رصيده الفا دينار فقط.

تلاشت أحلام “اللفّة المشبعة”، وتحولت بوصلة الجوع نحو التقشف المرّ. دخل دكاناً صغيراً، فاشترى “صمونتين” بمئتين وخمسين ديناراً، وعلبة “قشطة” رخيصة غادرت تاريخ صلاحيتها بالأمس، كانت ثمنها هي الأخرى مئتان وخمسون ديناراً.

جلس على رصيف الانتظار، يمضغ خبزه اليابس وقشطته الحامضة بامتنانٍ عجيب، بينما كانت أصابعه تقبض في جيبه على ألف وخمسمئة دينار. أجور النقل التي ستعيده إلى بيته، حاملاً جسداً جائعاً، وروحاً شبعت من لذة العطاء.