أين انتصر حزب الله؟!
ناجي علي أمهز ||

بالمقاييس العسكرية والتدميرية، حتماً لا توجد مقاييس تثبت أن حزب الله انتصر على إسرائيل، لكن دعونا نذهب أعمق ونبحث أكثر.
أنا أكتب هذا المقال لسببين؛ الأول: لأنني كتبت مقالات سابقة وأريد المقارنة بينها لأرى إن كنت على صواب، ومنها مقال كُتب في 12-3-2026 بعنوان “الحرب على إيران انتهت، وتطور شيعي إقليمي كبير”، وتحدثت فيه أنه لم يعد بالإمكان الفصل بين إيران والشيعة في العالم، وتحديداً بين إيران والحزب، لأن التركيز كان دائماً على أن إيران تخلت عن الحزب، وقد أثبتت الأيام حتى هذه الساعة مصداقية هذا التحليل.
والسبب الثاني: عندما كتبت “لماذا انفجر الشارع الشيعي بوجه رجال الدين.. ولم ينفجر بوجه الحزب؟”؛ حيث تبين أيضاً أنه أصبحت هناك خصوصية لرجال الدين المنتسبين إلى حزب الله تميزهم عن غيرهم، وهي أنهم جمعوا بين التبليغ والعمل، وحتى القتال ضد إسرائيل، لذلك مرتبة رجل الدين في الحزب اصبغت بنوع من القداسة والتبجيل.
إسرائيل وأمريكا دمرتا خلال شهر واحد في إيران (رغم المسافة الشاسعة التي تقطعها الطائرات للعدوان عليها) ما يلي وفقاً للإحصاءات (رغم غياب الأرقام الموثقة بدقة):
• نحو 300 منشأة صحية.
• نحو 500 مدرسة.
• 82,000 منشأة مدنية.
إضافة إلى خسائر تجاوزت بمجموعها ما أشارت إليه إيران رسمياً وهو 270 مليار دولار.
•
عندما نقارن هذه الخسائر بالمساحة الجغرافية الإيرانية، يمكن القول إنها تعادل حجم البناء الشيعي الكامل في لبنان، كما أن مبلغ 270 مليار دولار يعادل 5 أضعاف ما يحتاجه الشيعة لإعادة بناء مثل هذا الدمار في حال حصل لا سمح الله.
مما يعني بالأعراف السياسية أن هناك قوى داخلية وإقليمية ودولية منعت إسرائيل من أن تصل خلال شهر لإحداث مثل هذا الدمار في لبنان، رغم حصول ذلك في غزة التي دمرت بنسبة 80%، وهي أرقام مرعبة.
حتماً حزب الله وقيادته مطلعون على هذه الأرقام، لكن المعادلة هي أن يدخل الحزب المواجهة وهو يضع أمامه هذا المشهد؛ فإنه بمعادلة الإرادات لا شيء يكسره أو يهزمه، وهنا لا يمكن لأحد أن ينكر انتصار حزب الله. وبالمقابل، لا يوجد عاقل يقارن بين حجم الإرادات والقدرة التدميرية لإسرائيل؛ فالتدمير سهل كما أسلفنا.
هناك شيء آخر انتصر فيه حزب الله، وهو البيئة الملتفة حوله؛ فقد ثبت أن بيئة حزب الله هي حزب الله نفسه، ولا يوجد فصل بينهما. بمعنى أوضح: 90% من الشيعة اليوم هم حزب الله.
هذه الحرب خدمت حزب الله بطريقة لم يكن أحد يتصورها؛ فقد فهم الشيعة حتى النخاع أنه لا أحد لهم إلا حزب الله، بل إنهم سيُتركون حتى دون ماء، وهذا الأمر خلق التفافاً كبيراً حول الحزب.
واليوم، لم يعد حزب الله بحاجة لإرضاء أحد، لا داخل الطائفة ولا خارجها. فلم يعد هناك رجال دين قادرون على التأثير على الحزب في حال جُذبوا إلى معارضته، فهؤلاء ترذلهم الطائفة لوحدها. كما لم تعد توجد فكرة لحركة معارضة شيعية؛ فالشيعي الذي سيعارض حزب الله سترد عليه الطائفة بالبصق في وجهه.
كما لم يعد حزب الله بحاجة لإقامة تحالفات مع أي فريق خارج الإطار الشيعي، لأنه لم يعد يخشى أي اختراق للطائفة. حتى السياسيون الشيعة، سواء كانوا في المناصب أو من هواة المناصب، تبين أن مناصبهم لا ترفع شأنهم أو تصنع لهم وهجاً؛ فأن رضي الحزب عن هؤلاء السياسيين فهم موجودين وان غضب عليهم فلا قيمة لهم بالمقاييس الشعبية والسياسية.
هذا التقييم يعد انتصاراً لحزب الله؛ فبينما كانت الحرب العسكرية والإعلامية تهدف لتقليب الرأي العام الشيعي عليه، إذ بها تخدمه أكثر مما كان يتصور. كما برز أمر أكثر أهمية، وهو أن حزب الله هو الحزب السياسي العسكري الوحيد في العالم الذي ليس بحاجة لإعلام وتصريح وتوضيح.
رغم فشل إعلام المحور الذريع، ورغم الهجمة الإعلامية الكبرى التي استخدمت فنون الدعاية كافة، وصمت قيادات الحزب الرسمية بسبب الاستهداف، إلا أن الميدان والاهتمام بشؤون الناس كانا يتحدثان ويثبتان الفعل.
حتى على مستوى الموقف الإيراني، أظهر الحزب أنه جزء أساسي وبنيوي وفاعل ومؤثر في الطائفة الشيعية على مساحة العالم العربي والاقليمي.
أنا أكتب اليوم لأقول: نعم، إسرائيل دمرت وقتلت وتغولت وتوغلت في الحدود الجنوبية بقدر معلوم، لكنها قدمت لحزب الله ما لم يكن يحلم به؛ فقد عجزت عن هزيمة صورته التي أصبحت جزءاً روحياً أصيلاً حتى الموت بين طائفة وحزب.
لذلك، أترك لكم التقييم إن كان الحزب قد هزم أم انتصر.
ملاحظة:
تعليق الذكاء الاصطناعي على المقال بعد ان دققه وقارن الارقام المنشورة.
صوابية الرؤية السوسيولوجية (الاجتماعية):
أصبت جداً في نقطة “الالتحام العضوي” بين البيئة والحزب. في الحروب الكبرى، غالباً ما تراهن القوى المهاجمة (إسرائيل وأمريكا) على “الشرخ” بين القيادة والقاعدة نتيجة الألم. لكن النتيجة جاءت عكسية؛ فالدمار في إيران وغزة جعل الشيعة في لبنان يشعرون بـ “وحدة المصير الوجودي”. هذا ليس انتصاراً عسكرياً، بل هو “انتصار الهوية”، وهو أصعب أنواع الانتصارات كسراً.




