الخميس - 18 يونيو 2026

عراق المونديال.. عندما تذوب الخلافات في مستطيل أخضر..!

منذ 3 أشهر
الخميس - 18 يونيو 2026

يونس الكعبي ||
3 نيسان 2026

في لحظة تاريخيّة حبست أنفاس الملايين ، أطلق الحكم صافرة النهاية ليعلن رسمياّ تأهل المنتخب العراقي إلى نهائيات كأس العالم. لم تكن مجرد مباراة كرة قدم ، ولم يكن مجرد فوز رياضي ؛ بل كان أنفجاراً من الفرح الشعبي الذي أجتاح شوارع العراق من زاخو شمالاّ وحتى الفاو جنوباّ ، محولاّ ليل البلاد إلى نهار من الأهازيج والأعلام المرفرفة.

لطالما عُرف المجتمع العراقي بتنوعه العرقي والطائفي والمناطقي ، وهي ميزات أحياناّ ما تستغل لأثارة الفرقة . لكن أسود الرافدين أثبتوا مجدداّ أنهم القوة الوحيدة القادرة على صهر هذا التنوع في بودقة واحدة.

في ساحات الأحتفال ، أختفت المسميات الطائفية والقومية . لم يكن هناك سني أو شيعي ، عربي أو كردي أو تركماني ؛ كان هناك فقط عراقي يرتدي قميص المنتخب العراقي ويحمل العلم الوطني.

شهدت أربيل والنجف وبغداد والبصرة والموصل ذات الأحتفالات بنفس الوتيرة ، مما أعطى أنطباعاّ بأن الحدود النفسية بين المدن قد تلاشت أمام هيبة الأنجاز الوطني.

لماذا توحدنا الكرة وأختلفت بنا السبل؟
يطرح هذا المشهد سؤالاّ جوهرياّ : لماذا ينجح الرياضيون فيما يفشل فيه السياسيين؟
السر يكمن في صدق الهدف ووضوح النتيجة . في الرياضة ، الجهد المبذول على أرض الملعب يترجم إلى فوز ملموس يتقاسمه الجميع . بينما في السياسة ، غالباّ ما تبنى المكاسب على حساب الآخر . الرياضة قدمت للعراقيين مشروعاّ ناجحاّ خالياّ من الفساد والمحسوبية ، مما جعلهم يلتفون حوله دون تحفظ.

أن تأهل المنتخب ليس مجرد تذكرة سفر للمشاركة في البطولة الأكبر عالمياّ ، بل له أبعاد أعمق : فقد أعاد الفوز للشعب العراقي ثقته بنفسه وأبناءه وقدرتهم على الأنجاز رغم الظروف القاسية ، ونشط هذا الفوز الروح الوطنية للشعب العراقي حيث كان هذا الفوز كترياق لمشاعر اليأس والأحباط ، مما قلل من حدة التوترات الأجتماعية والظروف التي يمر بها الشعب العراقي هذه الايام نتيجة ظروف الحرب في المنطقة وحالة الترقب والتوجس التي يعيشها الجميع . من جانب آخر ؛ تأهل العراق يعني تسليط الضوء على الجانب المشرق والحيوي للبلاد ، بعيداّ عن أخبار النزاعات والصراعات.

سياسياّ ، يمكن للمراقب السياسي أستخلاص رسائل شديدة الأهمية من هذه الملحمة الشعبية ، فالحشود التي خرجت لم تخرج دعماّ لجهة سياسية ، بل خرجت لرمز يمثل الدولة ككل ، وهي رسالة واضحة بأن العراقيين يتوقون لمؤسسات وطنية عابرة للمكونات .

أثبت المنتخب أن الكرة هي أقوى أدوات الدبلوماسية الشعبية ، وأن الأستثمار في الشباب والمواهب يمكن أن يحقق أستقراراّ أجتماعياّ تعجز عنه الخطابات السياسية.
هذا النجاح للمنتخب أعتمد على الكفاءة فقط ، وهي دعوة مبطنة من الشعب لصناع القرار لاعتماد مبدأ الرجل المناسب في المكان المناسب في أدارة شؤون الدولة.
ختاماّ ، يبقى تأهل المنتخب العراقي درساّ بليغاّ في السوسيولوجيا (علم الاجتماع) والسياسة ؛

درس يؤكد أن العراقيين ، مهما بلغت حدة خلافاتهم ، لايزالون يمتلكون قلباّ واحداّ ينبض خلف كل كرة تهز شباك الخصوم ، باحثين في ذلك المستطيل الأخضر عن وطن يحلمون به تسوده العدالة ، وتجمعه الفرحة ، ويقوده الطموح.