الخميس - 18 يونيو 2026
منذ 3 أشهر
الخميس - 18 يونيو 2026

د. أمل الأسدي ||

إنَّ الدماءَ الطاهرةَ إذا سقطت يمنحها الله كرامةً متفردةً، حتى تصبح كالجبلِ العالي الشاخصِ أمام الجميع، وحينها لا يمكن لأحدٍ أن يزعم أنه لم يرَ الحقيقة، أو أنه كان في حيرةٍ من أمره، فشهادةُ العظامِ تصبح حُجّةً، كقوله تعالى: ((وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ)) فالطريق واضحٌ وبيّن، ولا مجالَ للتدليس.

ولهذا كان لدماء القائد السيد الولي علي الخامنئي أثرٌ كاشفٌ؛ إذ كانت غربلةً، وكانت شهادتُه لحظةَ اتخاذِ القرار: إما معسكرُ الحق، وإما معسكرُ الباطل؛ إما معسكرُ الرحمن، أو معسكرُ الشيطان. فتخيّل أن الله انتقم لدماءِ ناقةٍ حين سُفكت غدراً وظلماً وعدواناً، فكيف بدمِ قائدٍ مسلمٍ بطلٍ شجاع؟!

ومن هنا نقف أمام هذا الكشف وهذه الغربلة؛ فمنذ سقوط الصنم البعثي تقريباً، وماكنته تعمل ضد الجمهورية الإسلامية لتكمل ما بدأه واستمر عليه لثمانية أعوام.

واستمر تحريضهم على إيران بشتى الوسائل والأساليب، ومعهم الإعلام العربي، بغيةَ خلق فجوةٍ اجتماعية بين الشعبين، أو بين الاجتماعين: الاجتماع الديني الشيعي العراقي والاجتماع الديني الشيعي الإيراني.

فلم يتركوا كذبةً إلا أطلقوها: تحريضٌ مستمر، فضائياتٌ وبرامجُ وأقلامٌ مأجورةٌ مسمومة، مستعدةٌ لفعل أي شيء، يحركهم في ذلك كله الماكنةُ الصهيوأمريكية من أجل تمزيق المجتمعات، ثم استهدافها والسيطرة على أرضها ومواردها.

فمثلاً: تقف إحداهن من المدرَّبات ضمن برنامج “ايلب” لتتحدث عن الزراعة، وتلف وتدور، ثم تقول: “كل اللي يصير علمود البيذنجان الإيراني”. وتظهر ممثلةٌ أخرى وتقول: “لن أعود إلى العراق حتى يغادر آخر إيراني”. ويقدّم برنامجٌ كوميدي مشهداً يطعن الناس في وطنيتهم وانتمائهم، كعهد البعث، ويعرض حوارا من ضمنه: “زط بط لطهران”.

مع أن العراقيين توحدوا بشكلٍ معجز، وهزموا داعش شرَّ هزيمة، وبمساعدة إيران. وتظهر مجموعةٌ من الشباب في مشهدٍ تمثيلي في النجف، يُصوِّر أن كل الموجودين إيرانيون، وأنه العراقي الوحيد بينهم، وغيرها من البرامج الكوميدية التي سعوا من خلالها إلى خلق وعيٍ جمعيٍّ يُحرِّض على إيران، ولا سيما لدى الشباب.

والغريب أنك تجد أساتذةَ جامعةٍ يمارسون التحريض، ويكذبون ويدلسون؛ فمثلًا يقول أحدهم: “قاطعوا البضائع الإيرانية، خل تخيس”، مع أن التقارير تشير إلى أن أعلى نسبة استيراد هي من تركيا والسعودية والكويت وغيرها من البلدان. وآخر يكتب: “أهم شيء الجارة تعيش”، ويسوق أكاذيب عجيبة غريبة، ويستعمل ألفاظاً وسياقاتٍ شعبوية، مثل: ذيل وذيول، ويحرض على الحشد، ويزعم أنه جاء من أجل إيران، في موقفٍ يعكس خسةً ودناءةً شديدتين.

حتى اضطرت المرجعيةُ إلى أن تدافع عن المقاتلين الذين بذلوا أرواحهم من أجل الوطن، وذلك في خطبة 8/11/2019.

🔹 وبعد استشهاد قادة النصر تزلزلت الأرض، وخرج الناس بالملايين لتشييعهم، وخرجوا في مظاهرةٍ مليونيةٍ ضد المحتل الأمريكي؛ لأنه انتهك حرمة العراق وسيادته، وقتل جنوده وقادته وضيوفه.

لكن النقطة المؤلمة التي تستدعي التوقف عندها هي استهداف ذي قار، والتركيز عليها إعلامياً في أيام تشرين؛ فأقلامٌ وأصواتٌ داخليةٌ وخارجيةٌ دفعت بذي قار وأهلها، وحرّضت شبابها على العنف وأعمال الشغب.

ذي قار، بتاريخها الموالي والمناهض للنظام البائد، وبدورها الكبير في حرب تحرير العراق من العصابات التكفيرية، على الرغم من ذلك، خرجت مجموعةٌ من الفتية والشباب، يقودهم ملثمون، ينادون: “الگال نشيع رديناه”، ليمنعوا تشييع القائد المهندس في ذي قار.

وهي صدمةٌ أحاطت ذي قار بعلامات استفهامٍ عديدة، وأحاطتها بعيونٍ مترقبةٍ تنتظر لحظة الصحوة وكشف الأمور: فمن يريد اختطاف ذي قار؟ ولماذا؟

ثم تجلّت الحقائق شيئاً فشيئاً، ليتضح أن ذي قار تمثل منطلق مشروع الإبراهيمية الذي يريد الصهاينة، عن طريقه، محاربة الإسلام، وتمييع هوية الشعوب، والسيطرة على مواردها. ولهذا استهدفوا ذي قار كل هذا الاستهداف، ومع ذلك بقيت صورتها أسيرةَ الأحداث.

حتى أقدم الصهاينة على اغتيال السيد علي الخامنئي، وارتقى شهيداً، وبمجرد أن ذاع الخبر، رأينا ذي قار تخرج كمعجزةٍ من بين الصخور التي بناها الإعلام المعادي؛ خرجت لتكشف عن وجهها الحقيقي.

فركض الناس من كل حدبٍ وصوب، وهم ينادون بصوتٍ مليونيٍّ هادر: “يا حسين ابنك ما ضم روحه”، فداسوا بأرجلهم على المناطق الرمادية التي خلقها الإعلام المعادي وأدواته، داسوها حتى استوت أرضاً واسعة، والطرق فيها سالكةٌ وواضحة، فضاعت آمال الأمريكان والصهاينة، وتبعثرت جهودهم، وفشلت أدواتهم، وتجلّت ذي قار بأبهى صورها، وظهر وجهها الحقيقي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ
لمتابعة مقالات د.أمل الأسدي
https://t.me/Ab_Wahab