الخميس - 18 يونيو 2026
منذ 4 أشهر
الخميس - 18 يونيو 2026

أمين السكافي ||


أن أقترب أيها الموت، فأنا ما عدت أخشاك، وقد بلغ الشوق بي إلى خالقي مبلغه، ولم أعد أحتمل البعد والفراق. صار الحنين ناراً في صدري، لا يطفئها إلا اللقاء، وصار النداء داخلي أعلى من ضجيج الحياة، وأصدق من كل يقين. أدعوك لا استعجالاً للغياب، بل توقاً إلى الحضور الأكبر، إلى القرب الذي لا يحجبه جسد، ولا يقيّده زمان.

أنا لم أطهُر كما ينبغي للطائفين في حضرة الجلال، ولم أتجرّد كما يليق بالسائرين في دروب العارفين، لكنني عرفت بابي، وعرفت ربي، وعرفت أن من عرف الله لم يخف، ومن ذاق طعم القرب لم يرضَ بالبعد، ومن أبصر النور لم يعد يقنع بالظلال.

أيها الموت، تعال، فالفناء في حضرة الحق بقاء، والغياب عن الدنيا حضور في الملكوت، والسقوط في بحر العفو نجاة. تعال، فقد أثقلتني كثافة التراب، وأرهقني ضيق المادة، وأتعبتني المسافات بيني وبين ذاتي. تعال لأخلع عن روحي أردية الوهم، وأدخل عرياناً من كل ادّعاء، مكسوراً من كل كبرياء، فقيراً إلا من رجائي.

يا رب، أنا عبدك، لا أملك إلا ضعفي، ولا أحمل إلا خطيئتي، ولا أتشبث إلا بحبك. فإن كنتَ تحاسبني بعدلك هلكت، وإن أخذتني بميزان رحمتك نجوت. وأنا ما جئتُ إلا طالب نجاة، ولا وقفت ببابك إلا طامع غفران، ولا رفعت كفّي إلا سائلاً ستراً لا ينقطع.

كيف أخاف الموت، وهو جسر العبور إليك؟ وكيف أهاب الرحيل، وأنت المقيم في سرّي، والساكن في نبضي، والحاضر في أنفاسي؟ أنا بك كنتُ، وبك أكون، وإليك أصير. وكل ما عداك ظلّ زائل، وكل ما دونك عابر سبيل.

أن أقترب، هو أن أذوب في يقينك حتى أتلاشى عن نفسي، وأن أفنى في حبك حتى أبقى بك، وأن أسقط من حسابي حتى أُكتب في سجلات رحمتك. هو أن أترك اسمي، وشكلي، وذكرياتي، وأدخل في اسمك الأعظم، وفي نورك الأزلي، وفي سكونك الأبدي.

أيها الموت، لا تجئني فجأة، بل دعني أتهيأ بالدمع، وأتطهّر بالرجاء، وأتعطّر بالذكر، وأرتدي ثوب التسليم. دعني أصفّي قلبي من شوائب الغضب، وأغسله بماء العفو، وأملأه بحبٍ لا يرى سواك.

وحين ألقاك، فخذني برفق، فأنا طفل على باب الأبدية، وعابر في دهاليز النور، ومتعب من طول المسير. خذني إلى حيث لا خوف، ولا حزن، ولا فراق، إلى حيث السكينة التي لا تعصف بها رياح، والطمأنينة التي لا تخذلها الأيام.

هناك، عند عتبة الحضرة، سأفهم سرّ الوجع، ومعنى الصبر، وحكمة الانتظار، وسأدرك أن كل ما كان في الدنيا لم يكن إلا تدريباً على اللقاء.

فمرحباً بك أيها الموت، حين تصير حياة، وحين يصير الفناء بقاء، وحين أكون بك وله.