الخميس - 18 يونيو 2026

تعقيباً على مقال الدكتور علي المؤمن: الطائفية في العراق وتحول عناوين المقدّسات..!

منذ 4 أشهر
الخميس - 18 يونيو 2026

إياد آل عوض الحسناوي ||


تعقيباً على ما ورد في مقال المفكر الإسلامي الكبير الأستاذ الدكتور علي المؤمن،

الذي كان تحت عنوان: «لو كان الشيعة والسنة واقعيين لما حدث الصراع الطائفي في العراق»، أذكر ما تبلور لديّ حول هذا الموضوع من خلال الأحداث التي عشتها واطلعت عليها منذ العهد الملكي في خمسينيات القرن الماضي وإلى هذا اليوم، وبشكل مختصر جداً؛ لأن الموضوع فيه تفاصيل كثيرة.

ابتداءً، أقول إن النزعة الطائفية موجودة منذ مئات السنين، وهي مرتبطة بالعصبيات المختلفة التي تلازم النفس البشرية، والتي تعود إلى عوامل متعددة، مترسخة في العقل الباطن للشخصية، كالبيئة والمحيط والأسرة وتأثيراتها المعروفة. أما ما يتعلق بالاصطفافات والتخندقات الطائفية في العراق، والتي تحدث عادة عندما يسقط النظام،

وهو ما أثبتته الأحداث المعاصرة، ففي تاريخ العراق الحديث سقط نظامان: النظام الملكي عام 1958، ونظام البعث عام 2003. وعندما سقطا أعقبهما اصطفاف طائفي، والسبب يعود إما إلى اهتزاز المعادلة التقليدية في الحكم، كما حصل بعد انقلاب 14 تموز 1958، أو إلى التحول الجذري في معادلة الحكم، كما حدث بعد سقوط نظام صدام، وكلاهما يرتبط برفض أهل السنة في العراق للتغيير الحاصل.

في الحالة الأولى، وعلى الرغم من أن الدولة وكبار مسؤوليها لم يكونوا من الشيعة، إلا أن من تداعيات انقلاب 14 تموز بروز نشاط الحزب الشيوعي، الذي ينتمي أغلب قيادييه وجماهيره إلى المجتمع الشيعي. كما أن الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم حُسب على الشيعة، بالرغم من أنه كان بعيداً عن أي نزعة طائفية. وهكذا جرى استهدافه، وتعرّض نظامه إلى ستٍّ وثلاثين مؤامرة، كانت إحداها محاولة اغتياله، التي أُصيب فيها إصابة بالغة، وكان آخرها الانقلاب الدموي في 8 شباط 1963.

كان الصراع في تلك المرحلة قد أخذ صورةً أخرى، تمثلت بالصراع بين القوميين والشيوعيين؛ لأن الظروف السياسية والاجتماعية والثقافية كانت لا تسمح بالتوصيف الصريح لحقيقة الصراع. فالتوجهات الدينية والإسلامية كانت في تلك المرحلة في طور سبات، وكانت موجات العلمنة والعصرنة هي السائدة.

أما بعد التغيير في عام 2003، والذي انقلبت فيه المعادلة التقليدية، فقد أخذ الصراع عنواناً واضحاً وصريحاً، وتمثل سببه الحقيقي في رفض أهل السنة للتغيير. ولا يعود هذا الرفض إلى تعرضٍ مفترضٍ للمقدسات الحقيقية للسنة إلى سوء؛ لأن مقدسات أهل السنة لم تعد متمثلة في أبي حنيفة، أو الشيخ الكيلاني، أو البخاري، أو الترمذي، أو النسائي، أو غيرهم من العلماء، ولا حتى في أبي بكر وعمر؛ إذ إن هذه الرموز لم تُمَسّ إطلاقاً، وإنما أصبحت مقدساتهم الحقيقية هي الدولة والسلطة، أي الحاكم مهما كان يحمل من صفات ومزايا، سواء كان فاضلاً عادلاً أم كان فاسقاً فاجراً.

ولذلك يستميت أهل السنة في منع أي مكوّنٍ آخر من أن يكون على رأس الدولة والسلطة والأجهزة الحساسة المهمة؛ لأن ذلك يُعدّ اعتداءً على مقدساتهم. ومن هنا نجد أن المناطق الساخنة التي ظهرت بعد السقوط هي نفسها التي كانت ساخنة قبل أكثر من ستة عقود. فهل هذا محض صدفة؟! وحتى الشعارات التي رُفعت في التاريخين متشابهة؛ فبعد عام 1958 وُصف التغيير بـ(الهجمة الشعوبية)، وبعد عام 2003 وُصف بـ(الهجمة الصفوية)، وكلاهما جرى تحت قاعدة: «إيّاكِ أعني واسمعي يا جارة».

أما بالنسبة للشيعة، فإن مقدساتهم بقيت بعد التغييرين متمثلة في الرموز الكبيرة والمناسبات الدينية والشعائر والطقوس المعروفة، كما هو حال السلطة والحكم بالنسبة للسنة. وظل الشيعة مستعدين للتضحية من أجل الدفاع عن الشعائر والطقوس، وأن أي محاولة لاستلابها أو منعها تؤدي إلى ردود أفعال قوية. ولذلك كانت أسباب صراعاتهم مع الأنظمة العراقية المتعاقبة تكاد تكون مقتصرة على منع القيام بهذه الشعائر، ومن أمثلة ذلك الأحداث الدامية التي جرت في النجف في سبعينيات القرن الماضي، عندما منع النظام البعثي مراسم إحياء ذكرى استشهاد الإمام الحسين في محرم وصفر. ولم نكن نسمع أنهم يتحدثون عما يتعرضون له من تهميش وإقصاء.

كما لم تكن لديهم أطماع في قيادة الدولة والحكم، على الرغم مما أصابهم من مظلومية كبيرة؛ فقد حصلت مؤامرات وانقلابات عسكرية كثيرة على السلطة منذ ثلاثينيات القرن الماضي، أولها انقلاب بكر صدقي في عام 1936، وآخرها انقلاب البعث في عام 1968، ولم يكن بينها انقلاب قاده ضابط أو ضباط شيعة.

والمفارقة أن مصطلح التهميش والإقصاء ظهر بعد التغيير في عام 2003 وعلى لسان شخصيات سنية كانت تتبوأ مناصب عليا في الدولة!؛ لأن مفهوم الاقصاء والتهميش لديها يعني عدم استفراد النخبة السنية في السلطة.

إن الخطأ الذي وقع فيه أهل السنة، على مستوى الفرد والمجتمع، ولا يزالون يكررونه، هو ابتعادهم عن الواقعية، ولا سيما بعد المتغيرات التي شهدها العراق، وذلك بسبب العصبيات المتوارثة. فإلى ماذا سيؤول ذلك في خضم تصاعد قوة الشيعة، وحصولهم على الجزء الأكبر من استحقاقاتهم، على الرغم من الظروف السلبية والمدانة التي رافقت العملية السياسية التي جاءت بعد عام 2003؟