لماذا تفشل المعاجم في تعريف العراق؟!
د. سوزان زين ||

تقدّم معاجم اللغة تعريفاتها للأشياء انطلاقاً من الشكل والمكان والحدود.
فتقول إنّ العِراق من الدار فناؤها، ومن الأذن كِفافها، ومن البحر والنهر شاطئهما طولاً.
وهي تعريفات دقيقة في ميزان اللغة، تُحدّد الأطراف وتُمسك بالظاهر، لكنها تبقى قاصرة حين يتعلّق الأمر بالأوطان، لأن الأوطان لا تُختزل في جغرافيتها، ولا تُعرَّف بحدودها فقط.
فالوطن حين يدخل دائرة الصراع، يتجاوز المعنى اللغوي، ويستدعي تعريفاً من نوع آخر، تعريفاً يُبنى على التجربة وعلى الثمن الذي يُدفع دفاعاً عنه، وعلى القيم التي تُصان في لحظات الاختبار الكبرى.
من هنا يظهر ما يمكن تسميته بـ معجم المقاومة، لا بوصفه بديلاً عن اللغة، بل بوصفه مكمّلاً لها، يوسّع الدلالة ويعيد ربط الكلمة بجوهرها.
وفق هذا المعجم لا يُعرَّف العراق من أطرافه، بل من مركزه:
العراق من القلب شهداؤه
والعراق من الشهادة جمال
والشهادة هنا ليست حدثاً او ذكرى عابرة في تاريخ العراق، ولا رقماً في سجلّ الخسارات، بل هي فعلٌ تأسيسي يعيد تثبيت معنى الوطن، فحين تُستهدف الهوية، تصبح الشهادة تعبيراً عن أعلى درجات الانتماء، وعن وعي يرفض تحويل العراق إلى ساحة نفوذ أو مادة تفاوض.
في هذا الإطار يكتسب ذكر الشهداء بُعداً يتجاوز الرثاء، ليصل إلى مستوى القراءة السياسية والأخلاقية للتاريخ، فهم لا يمثّلون نهاية مسار، بل لحظة تثبيت للمعنى، وإعادة رسم للبوصلة الوطنية.
ومن هذا الموقع يُستحضَر اسم القائد العظيم الحاج أبي مهدي المهندس لا كشخصية غابت، بل كعنوان لمرحلة كاملة من الصراع على هوية العراق.
فحضوره لم يكن تفصيلاً في معادلة، بل كان تعبيراً واضحاً عن عراقٍ يرفض أن يُعرَّف من خارج إرادته، أو أن يُعاد تشكيله بمعزل عن تضحيات أبنائه.
إنّ العراق وفق هذا الفهم، لا يُقرأ فقط في كتب اللغة، ولا يُفسَّر عبر الجغرافيا السياسية وحدها، بل يُعرَف من خلال شهدائه، ومن خلال قدرتهم على تحويل الدم إلى وعي، والخسارة إلى ثبات، والتهديد إلى فرصة لإعادة بناء المعنى.
وهكذا، حين تعجز المعاجم عن الإحاطة بالوطن، تتكفّل الشهادة بقول الحقيقة كاملة.




