أحزاب جوفاء بلا أيديولوجيا..!
رأفت الياسر ||

تُعدّ الأحزاب السياسية الركيزة الأساسية لأي نظام ديمقراطي، وتقوم العلاقة بين قوة الديمقراطية ووجود أحزاب حقيقية على مبدأ طردي واضح. كلما كانت الأحزاب راسخة، ذات هوية فكرية وتنظيمية، كانت الديمقراطية أكثر صلابة واستقرارًا.
غير أن المؤسف في الحالة العراقية هو تفشّي ظاهرة الأحزاب الوهمية؛ أحزاب لا تملك من معنى الحزب سوى مستمسك التسجيل في مفوضية الانتخابات. وهذا بحد ذاته مؤشر خطير على خواء التجربة الديمقراطية وهشاشة النظام السياسي القائم.
الأحزاب عندنا أقرب إلى شركات تجارية تُدار بمنطق الأسهم والمكاسب، أو إلى جماعات مصالح تتخفّى بعباءة العمل السياسي. حتى أعضاء هذه الأحزاب ينتمون إليها بوصفها شركة لا مشروعًا، ويبذلون الجهد بدافع إدراكهم أن العائد السياسي والمالي الشخصي يتناسب طرديًا مع مستوى النفوذ الذي يحققه هذا “الحزب”.
ما يجري اليوم هو قتل بطيء للديمقراطية، يتم تحت مرأى ومسمع الجميع، دون مساءلة حقيقية.
الحزب الحقيقي لا يُختزل بالاسم أو الشعار، بل يجب أن تتوافر فيه عناصر جوهرية، من أبرزها:
أولاً: الأيديولوجيا
فأي تنظيم بلا منظومة فكرية واضحة وهوية متميزة لا يمكن تسميته حزبًا، بل هو كيان زائف. وفي العراق كثيرًا ما نجد أمينًا عامًا مثقفًا صاحب رؤية، في مقابل كوادر وقيادات تحمل تصورات مغايرة أو متناقضة، ما يكشف انفصامًا داخليًا غريباً.
ثانيًا: القاعدة الاجتماعية الثابتة
معظم الأحزاب العراقية لا تمتلك قاعدة اجتماعية حقيقية، بل تتحايل على النظام الانتخابي عبر إجبار المنتسبين، أو استغلال صفة مراقبي الكيانات، أو شراء الأصوات الجاهزة، أو إطلاق وعود كاذبة.
الحزب الذي يعتمد على جمهور موسمي ومتقلب ليس حزبًا، بل حملة انتخابية مؤقتة سرعان ما تنتهي وتتلاشى.
ثالثًا: جماعة التبرير والتواصل
وهي الكوادر الوسطى القادرة على تبرير سياسات الحزب، وصياغة خطابه، والقيام بدور حلقة الوصل بين القيادة والجمهور. هذه الفئة هي التي تستطيع تحويل الخطأ إلى مبرر، والجريمة إلى فضيلة، وهي تمثل الذروة العملية للإيمان الحزبي، سواء اتفقنا معها أم لا.
لدينا مجموعات تبرير مصلحية وليست حاملة للفكر الحزبي لأنه غير موجود أساساً في الغالب.
رابعًا: المجموعة القائدة
تعاني أغلب أحزابنا من التمركز حول الأفراد، حيث تُختزل القيادة بشخص أو مجموعة ضيقة، مع غياب آليات سلسة وشفافة لتداول القيادة أو تجديدها عبر نظم داخلية واضحة.
ما عدا ذلك – في الغالب- ، فإن ما نملكه ليس أحزابًا، بل ماكينات انتخابية ترفع شعارات وطنية عامة، هدفها إغواء الناخب ودفعه إلى صندوق الاقتراع. والنتيجة هي ديمقراطية مشوّهة، شكلية، وجوفاء، تفتقر إلى المضمون السياسي الحقيقي.




