الخميس - 18 يونيو 2026

حين يُختبر العراق: آلية الزناد تضع بغداد على حافة العاصفة .؟

منذ 9 أشهر
الخميس - 18 يونيو 2026

طه حسن الأركوازي ||

 

 

 

لم يعد الحديث عن تفعيل عقوبات “آلية الزناد” على إيران مُجرد جدل قانوني أو خلاف سياسي دولي ، بل تحول إلى نقطة أنعطاف خطيرة تضع العراق في قلب عاصفة إقليمية ودولية قد تعصف بأستقراره الهش ، فبغداد اليوم أمام أختبار مصيري يتجاوز الحسابات الآنية ، أختبار يفرض عليها أن توازن بين عمق علاقاتها الاقتصادية والتجارية مع طهران ، وبين التزاماتها أتجاه المجتمع الدولي الذي يطالب بالأمتثال لعقوبات أممية مُلزمة ، في مقدمتها الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون .

إن خطورة هذا الموقف تكمن في أن العراق مُهدد بالتحول إلى ساحة مواجهة مفتوحة ، بدل أن يكون دولة تبحث عن الاستقرار والانتقال نحو التنمية .

“آلية الزناد” لم تأت من فراغ ، فهي جزء أصيل من الاتفاق النووي الإيراني الموقع عام 2015 ، والذي منح “الولايات المتحدة والترويكا الأوروبية” حق إعادة فرض جميع العقوبات الأممية على إيران في حال إخلالها بتعهداتها ، فإعادة تفعيل هذه العقوبات يعني الانتقال من عقوبات أمريكية أحادية يمكن الالتفاف عليها جزئياً ، إلى عقوبات أممية شاملة لا يستطيع أي بلد تجاهلها أو تجاوزها دون أن يواجه عواقب سياسية وأقتصادية ودبلوماسية ، إذ تشمل هذه العقوبات “حظر الأسلحة التقليدية ، وتجميد الأصول ، وقيوداً على القطاع المصرفي والمالي ، فضلاً عن تضييق الخناق على برامج إيران الباليستية” .؟

إيران من جانبها لم تُخفِ موقفها ، بل سارعت إلى رفض العقوبات وأعتبارها غير قانونية ، ولوحت بخيارات قصوى قد تصل إلى الانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي ، هذا التهديد وحده يكفي لتصعيد التوترات الإقليمية ، ويجعل العراق في بؤرة صراع محتمل ، سواء عبر تصاعد الضغوط الاقتصادية أو من خلال تحويل الساحة العراقية إلى أداة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية .؟

فبالنسبة للعراق ، فإن التداعيات تبدو أكثر إلحاحاً وخطورة من أي دولة أخرى ، فالاقتصاد العراقي الريعي مُتشابك بعمق مع إيران ، سواء في قطاع الطاقة أو في التجارة العابرة للحدود ، فعلى سبيل المثال “الكهرباء” والتي وحدها تمثل خاصرة رخوة ، حيثُ يعتمد العراق بشكل كبير على الغاز والكهرباء الإيرانيين لتشغيل محطاته ، فأي خلل في هذه الإمدادات يعني عودة أزمات التظاهرات الصيفية وأنفجار الشارع الغاضب ، يضاف إلى ذلك أن التبادل التجاري بين البلدين والذي يُقدر بمليارات الدولارات سنوياً ، ما يجعل الالتزام بالعقوبات تهديداً مباشراً لشركات عراقية وبنوك محلية قد تجد نفسها أمام قوائم سوداء دولية ، لكن والأخطر من ذلك أن الضغوط الأمريكية على النظام المالي العراقي ستتضاعف لمنع أي تسرب للدولار نحو إيران ، وهو ما يضع بغداد تحت مجهر رقابة مالية خانقة .

لكن الأزمة لا تقف عند حدود الاقتصاد ، فالعراق مُهدد أيضاً بالتحول إلى ساحة صراع بالوكالة ، فالعقوبات قد تدفع إيران إلى تحريك أوراقها في الداخل العراقي ، عبر تصعيد أنشطة الفصائل الموالية لها ضد المصالح الأمريكية والغربية ، الأمر الذي يضع بغداد في مواجهة أستقطاب سياسي داخلي خطير ، بين تيارات تدعو للحياد والانفتاح ، وأخرى ترى في التشبث بالمحور الإيراني خياراً لا مفر منه .

أمام هذا المشهد ، يحتاج العراق إلى أستراتيجية أستشرافية واضحة تُبعده عن موقع الضحية وتضعه في موقع الفاعل ، فيبقى الخيار الأكثر عقلانية هو تبني سياسة “الحياد الإيجابي” القائمة على حماية المصلحة الوطنية أولاً ، والانفتاح على جميع الأطراف دون أرتهان لمحور على حساب آخر ، ويُترجم ذلك في مسارين متوازيين :

المسار الأول (الدبلوماسي ) : الذي يتيح لبغداد التفاوض مع واشنطن والترويكا الأوروبية للحصول على إعفاءات خاصة في قطاع الطاقة بحجة الحفاظ على الاستقرار الداخلي .

المسار القاني ( الاقتصادي ) : الذي يقوم على تنويع مصادر الطاقة والربط الإقليمي مع دول الخليج والأردن ، بالتوازي مع أستثمار سريع في حقول الغاز العراقية للوصول إلى أكتفاء ذاتي خلال سنوات قليلة .
إلى جانب ذلك ، لا بد من إصلاح حقيقي في القطاع المالي العراقي يعزز ثقة المجتمع الدولي ويبعد المصارف عن شبهات خرق العقوبات ، مع التفكير في آليات بديلة للتجارة مع إيران تقوم على المقايضة أو التعامل بالعملات المحلية ، شريطة أن تتم وفق قنوات رسمية شفافة تجنّب العراق أي تبعات قانونية .

أخيراً وليس آخراً .. إن العراق اليوم أمام لحظة أختبار وجودية ، فإما أن يختار طريق الاستقلالية والقرار السيادي الذي يحفظ مصالحه الوطنية ، أو يظل أسيراً لصراعات الآخرين على أرضه .

المطلوب اليوم من الطبقة السياسية أن ترتقي إلى مستوى التحدي ، وأن تدرك أن التردد أو الارتهان سيُغرق البلاد في دوامة جديدة من الأزمات ، الخيار واضح : إما أن يكون العراق جسراً للتواصل بين الشرق والغرب .؟

أو أن يتحول مرة أخرى إلى ساحة لتصفية الحسابات الدولية والإقليمية ، والقرار بيد قادته قبل أن يُنتزع من بين أيديهم …!