حروب المياه القادمة : العراق في قلب المعركة الصامت .؟
طه حسن الأركوازي ||

هل سنشهد في السنوات المقبلة حروباً تتناحر فيها الدول على مصادر المياه المتضائلة .؟
كان هذا السؤال محور تحذير صريح أطلقه الخبير الاقتصادي ( إسماعيل سراج الدين ) نائب رئيس البنك الدولي في عام 1995 ، حين توقع أن المياه ستكون محور صراعات القرن الحادي والعشرين ، بديلاً عن النفط الذي هيمن على حروب القرن العشرين .
اليوم ، وبعد مرور ثلاثة عقود يبدو أن النبوءة تتحقق في أجزاء عديدة من العالم ، حيث تواجه دول مثل أفغانستان خطر نفاد مخزونها من المياه الجوفية قبل عام 2030 ، بما يهدد ملايين السكان بالرحيل القسري ويفتح الباب لأضطرابات أقتصادية وسياسية واسعة .
العالم اليوم يعيش في خضم وباء نقص المياه المحلية والإقليمية وما لم يتم التحرك لمعالجة هذه الأزمة فإن الهجرات القسرية والاضطرابات المدنية والصراعات الدولية ستتصاعد بوتيرة متسارعة في العراق وسوريا واليمن ، أدى النقص المتزايد في المياه إلى تصاعد العنف الداخلي ، وزيادة النزوح من القرى إلى المدن ، وتفاقم أزمة الأمن الغذائي .
تؤكد الدراسات الحديثة بما في ذلك بحث الجمعية الأمريكية لأعمال المياه AWWA ، أن ندرة المياه المرتبطة بتغير المناخ أصبحت تهديداً عالمياً مُباشراً للصراعات الكبرى ، وأن تأثيرها يمتد على الإنتاج الغذائي والسكاني والطاقة ، فقد سجلت مدن في أمريكا اللاتينية ، وأفريقيا ، والشرق الأوسط ، وجنوب آسيا أنخفاضاً ملحوظاً في حصص المياه المتاحة لكل فرد ، ما أنعكس على القدرة الإنتاجية والزراعة ، وأدى إلى ضغوط على المجتمعات الحضرية والريفية على حد سواء .
حرب المياه ، هذه الحرب الأكثر خُبثاً وإجراماً وقذارة ، تتجلى في العراق اليوم حيث تتحول مياه دجلة والفرات إلى أداة للضغط والسيطرة ، لا طائرات ولا صواريخ ، لكن تأثيرها على حياة الإنسان يكاد يكون مميتاً ، فهي تقتل الزراعة ، تهدد الاقتصاد ، وتدفع المواطنين إلى النزوح ، تاركة آثاراً عميقة على الأمن القومي والاستقرار الاجتماعي .
الخبراء يؤكدون أن ندرة المياه مرتبطة مباشرة بالاضطرابات الاجتماعية والسياسية ، فقد أظهرت الأبحاث أن نقص المياه في سوريا دفع ملايين الريفيين إلى الهجرة نحو المدن ، ما زاد السخط الاجتماعي وتصاعد التوترات السياسية ، بينما يواجه النازحون من “العراق وسوريا واليمن وليبيا” ندرة حادة في المياه في مناطقهم ، ما يفاقم أزمات الغذاء والبطالة ويهدد الاستقرار السياسي .
وتشير الإحصاءات إلى أن العراق يعتمد على الموارد المائية العابرة للحدود بنسبة تزيد عن 60 في المئة ، بينما تصل النسبة في سوريا إلى 72.4 في المئة ، ما يجعل المنطقة عرضة للصراعات المائية مع نمو السكان المتوقع من نحو 104 ملايين نسمة عام 1950 إلى نحو 692 مليون نسمة بحلول 2050 ، هذا الاعتماد الخارجي بجانب ضعف التخطيط الداخلي ، يضع العراق في مواجهة تهديد وجودي واضح لمواجهة أزمة المياه .
العالم يقدم أمثلة قابلة للتأمل مصر ، رغم التحديات الكبيرة ، نجحت في تدويل قضية سد النهضة وجعلها أولوية أستراتيجية تحمي مستقبل شعبها .
والأردن ، رغم محدودية الموارد أدار ملفه المائي عبر أتفاقيات مُلزمة لضمان أستقرار حصصه .
بينما العراق لا يزال يعاني غياب الرؤية ، الأستراتيجية ، والإرادة السياسية لمواجهة هذه الأزمة ، الحل يبدأ من الداخل عبر تحديث شبكات الري ، تبني تقنيات حديثة ، بناء سدود أستراتيجية ، تدوير مياه دجلة والفرات وإعادتها للاستفادة منها داخلياً بدل فقدانها في البحر ، ونشر ثقافة الترشيد بين المواطنين ، مع ضرورة دبلوماسية مائية نشطة لإجبار دول الجوار على أحترام حقوق العراق المائية .
أخيراً وليس آخراً .. الماء ليس ملفاً ثانوياً بل هو أساس الحياة والسيادة ، ومن يفرّط به يفرّط بمستقبل العراق .
إن مسؤولية مواجهة أزمة المياه لا تحتمل المماطلة أو الانشغال بالمناكفات الضيقة ، وما لم تُوضع هذه القضية في صدارة الأولويات الوطنية ، فإن المسؤولية التاريخية تقع على من فرّط بها ، لقد آن الأوان للطبقة السياسية والحكومات التي تنبثق منها أن تتحمل تبعات أخطائها ، بأتخاذ القرار الشجاع ، ووضع التخطيط الواضح ، والتنفيذ الجاد ، لأن الماء هو الحياة ، ومن يُفرط به گمن يُفرط بمستقبل العراق وشعبه …!




