الخميس - 18 يونيو 2026

من يسرب وثائق الدول: قراءة في أنهيار الضوابط؟!

منذ 11 شهر
الخميس - 18 يونيو 2026

طه حسن الأركوازي ||

 

 

 

في عراق اليوم ، لم تعد الوثائق الرسمية حبيسة الأدراج أو محفوظة في دوائر الدولة ، بل أصبحت تُسرب وتُتداول على مواقع التواصل الاجتماعي كما تُتداول الإشاعات أو النكات أو التحايا ، ما يُفترض أن يكون سرياً أو تنظيمياً أو أمنياً ، بات يُستهلك في الفضاء الرقمي بلا وازع ، في مشهد يكشف عن أختلالات عميقة في بنية الدولة وهشاشة مؤسساتها .

ظاهرة تسريب الوثائق الرسمية لم تعد مجرّد تجاوز فردي أو خرق إداري عابر ، بل تحوّلت إلى ثقافة تتغذى على صراعات النفوذ داخل الدولة ، وتُستخدم كسلاح في معارك تصفية الحسابات بين مراكز القوى ، بل وأحياناً تُوظف في خدمة أجندات إقليمية أو دولية تنفذ بأيادٍ محلية ، لكن الأخطر أن هذه الوثائق لا تُسرب في إطار الإصلاح أو الشفافية ، بل غالباً ما تُنتزع من سياقها وتُستخدم لتحقيق مكاسب سياسية آنية على حساب مصلحة الدولة العليا .

حوادث عديدة تؤكد هذا التحول الخطير في أكثر من مناسبة ، تسربت وثائق تتعلق بتحقيقات أمنية أو تحركات قيادات عسكرية ، وأُفرغت من محتواها ، مما أدى إلى إحباط عمليات ميدانية وإرباك المنظومة الأمنية ، وفي حالات أخرى جرى تسريب ملفات تتعلق بتحويلات مالية أو تعيينات عُليا قبل أن تُعرض حتى على الجهات الرقابية أو التنفيذية ، مما حول الدولة إلى ساحة مفتوحة للتشهير والابتزاز .

والأدهى من ذلك أن الإجراءات الحكومية للحد من هذه الظاهرة باتت محل سخرية ، ففي إحدى المفارقات ، تم تسريب كتاب رسمي صادر عن مكتب رئيس الحكومة يتضمن توجيهاً بمحاسبة من يُسرب الوثائق الرسمية .!

وهو ما كشف حجم الهشاشة داخل منظومة القرار ، والعجز عن ضبط حتى أبسط أركان السلوك المؤسسي .

هذه الظاهرة ليست عراقية حصراً ، فقد مرت بها دول أخرى مأزومة ، كما في لبنان حيث تحولت محاضر أمنية إلى مادة في البرامج التلفزيونية ، أو في السودان حيث أستُخدمت الوثائق المسربة كأداة لنسف التوافقات السياسية .؟

غير أن الفارق في الحالة العراقية أن التسريب لم يعد عارضاً ، بل هو نتيجة بنيوية لثقافة اللامساءلة ، وغياب منظومات الحماية ، وتفشي الولاءات الشخصية والحزبية داخل المؤسسات .

ففي بيئة لا يُحاسب فيها الموظف المُسيء ، ولا يُكافأ فيها الأمين ، ولا توجد منظومة حماية رقمية مؤمنة ، يصبح تسريب الوثائق جزءاً من اللعبة السياسية ، لا خروجاً عليها ، ومع أنتشار التطبيقات المشفرة ، بات التقاط صورة لكتاب رسمي ومشاركته في لحظات أمراً لا يحتاج أكثر من هاتف ونيّة مسبقة .؟

السؤال الذي يُفترض طرحه اليوم ليس هو لماذا تُسرب الوثائق .؟
بل لماذا فقدت الدولة قدرتها على حماية نفسها .؟
ولماذا غابت المهنية عن دواوينها ، حتى بات التسريب أداةً لأختبار الولاء أو تصفية الحسابات ، لا وسيلة للمساءلة أو الإصلاح .؟

الخطر لا يكمن فقط في المعلومات المتداولة ، بل في ما يرمز إليه هذا الانفلات ، أنهيار مبدأ السرية المؤسسية ، ضعف الانتماء الوظيفي ، وأنكشاف الدولة أمام خصومها وأمام مواطنيها على حداً سواء ، وهذا لا يضعف مؤسسات الدولة فقط ، بل يُهدد هيبة القرار الوطني ، ويحول الدولة إلى جدار زجاجي هشّ يتكسر عند أول ضربة .

إن مغادرة هذه الثقافة لا يمكن أن تتحقق بالشعارات أو العقوبات وحدها ، بل تبدأ بإصلاح بيئة العمل الإداري ، وتحصين المؤسسات بالثقة والرقابة المهنية ، وإعادة الأعتبار لقيم الانضباط والنزاهة ، وبتطوير بنى رقمية محمية تُنظم الإفصاح ولا تتركه لفوضى النشر والانفعالات اللحظية .

أخيراً وليس آخراً .. إننا لا نطالب بتكميم الأفواه ولا بإخفاء الحقيقة ، بل نطالب بأن تُستعاد هيبة الدولة أولًا من داخلها ، فعلى الطبقة السياسية أن تدرك أن الوثيقة حين تُسرب خارج سياقها لا تُحرج خصماً سياسياً فقط ، بل تجرد الدولة من وقارها ، وتُظهر مؤسساتها كأنها مرتع للفوضى والتسقيط المتبادل .

فالإصلاح يبدأ من الداخل من بناء الثقة في المؤسسات ، وتفعيل المساءلة الحقيقية ، ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب لا الولاء المناسب في الموقع الحزبي المناسب ، لقد آن الأوان لأن تُعاد كتابة عقيدة الدولة الوظيفية على أساس الكفاءة لا المحاصصة ، وعلى أساس حماية المعلومة لا الاتجار بها ، فالوثيقة ليست ورقة إدارية عابرة ، بل شاهد على دولة ، إما أن تُصان فتقوى أو تُنتهك فتسقط …!