الخميس - 18 يونيو 2026

العراق في مهبّ العطش: أخطر موجة جفاف منذ 1933 تهدد مستقبل البلاد..!

منذ 11 شهر
الخميس - 18 يونيو 2026

قاسم الغراوي ||
كاتب وصحفي

 

لم يكن تحذير وزارة الموارد المائية العراقية مجرد تصريح روتيني حين وصفت الوضع المائي الراهن بأنه “أخطر موجة جفاف يمر بها العراق منذ عام 1933”. بل هو إنذار حقيقي يختصر ملامح كارثة بيئية وإنسانية تلوح في الأفق، وتضرب مفاصل الأمن المائي والغذائي والسكاني للعراق، في ظل صمت دولي وتهاون محلي، وانحسار مستمر في الإيرادات المائية القادمة من دول الجوار.

أزمة مركّبة تتجاوز الجفاف الطبيعي
ليست المشكلة في ندرة الأمطار فقط أو في تعاقب مواسم الشحّ المناخي. فالعراق يعيش ما يمكن وصفه بـ “الاحتباس السياسي المائي” نتيجة تحكّم كل من تركيا وإيران بمنابع وروافد نهري دجلة والفرات، دون الالتزام بأي اتفاقيات ملزمة تضمن حقوق العراق التاريخية والعادلة في مياه النهرين.

فتركيا تمضي بسياسة السدود والاحتجاز، كما في مشروع “سد إليسو”، بينما إيران تقطع أو تحوّل مجاري أنهار وروافد حيوية مثل الزاب الصغير والوند ونهر سيروان، وهو ما أدى إلى جفاف كلي أو شبه كلي لعدد كبير من الجداول والأنهار في ديالى وشرق البلاد، وانحسار هائل في مناسيب المياه في مناطق الأهوار جنوبي العراق.

النتائج الكارثية بدأت بالفعل بانخفاض الإيرادات المائية بنسبة تفوق 60% مقارنة بالمعدلات السنوية وتم تقلص الخطة الزراعية في عدد كبير من المحافظات، وحرمان آلاف العوائل من مصدر رزقها ، مع نزوح تدريجي من بعض المناطق الريفية نتيجة الجفاف وانعدام المياه الصالحة للزراعة. كذلك تدهور بيئي واسع، خاصة في الأهوار التي تصنّف كمحمية طبيعية عالمية، مهددة بخروجها من لائحة التراث العالمي بسبب الجفاف.

سوء الإدارة الداخلية يعمق الجرح:
رغم وضوح الخطر، فإن السياسات الداخلية لا تزال تفتقر إلى الرؤية الاستراتيجية لإدارة ملف المياه. فما زال الري بالغمر التقليدي مستمرًا، والهدر في الاستخدام المنزلي والزراعي شائعًا، بينما تغيب مشاريع التحلية، وتفتقر البنى التحتية لتقنيات التدوير والخزن والتقنين.

وبينما تعتمد دول كثيرة في المنطقة على سياسات ذكية في التعامل مع شحّ المياه، نجد أن العراق لم يحقق تقدمًا ملموسًا في تطوير تكنولوجيا الزراعة المقتصدة أو في تحلية مياه الخليج، أو حتى في حماية موارده من الهدر والتلوث.

المطلوب فورًا: تحرك وطني ودولي
لم تعد الأزمة تحتمل التسويف. إنها قضية وجود ترتبط بحياة الملايين وبمستقبل العراق. ومن هنا فإن الأولويات الملحة يجب أن تتضمن:

1- حراك دبلوماسي حقيقي وفاعل بقيادة الدولة العراقية، وتدويل الملف المائي إن لزم
2- اتفاقيات ملزمة مع تركيا وإيران برعاية أممية تضمن حصة عادلة وثابتة للعراق.
3- إعادة هيكلة منظومة الري والزراعة باستخدام أنظمة ري حديثة متطورة.
4- نشر الوعي الوطني حول خطورة الهدر المائي وأهمية الحفاظ على الموارد.
5- إطلاق صندوق وطني للمياه لدعم التقنيات والمشاريع المائية المستدامة.
6- تفعيل المساءلة تجاه أي تقصير مؤسسي أو فساد في إدارة المياه.

العراق، الذي كان يُطلق عليه في كتب التاريخ “أرض ما بين النهرين”، يقف اليوم على حافة العطش. إن لم تتكاتف الجهود، وتعلو الإرادة السياسية فوق المصالح الآنية، سنجد أنفسنا نواجه نزاعات داخلية على قطرة ماء، ونخسر ما تبقى من الزراعة، والتنوع البيئي، والاستقرار المجتمعي.

فليكن هذا التحذير الأخير من الوزارة بداية لصحوة وطنية شاملة، تعيد للماء قيمته، وللعراق أمنه المائي المهدور .