الاثنين - 22 يونيو 2026

العارف.. القصة العاشرة والأخيرة من مجموعة نهر السيد وعمود الكهرباء..!

منذ 11 شهر
الاثنين - 22 يونيو 2026

جليل هاشم البكاء ||

 

 

في بيتٍ صغير على طرف الأرض، عاش أحد ورثة السيد كاظم، ولكنه لم يكن مثل باقي الورثة. لا يذهب إلى المحاكم، لا يتحدث في المجالس كثيرًا، ولا يرفع صوته عند النزاع. كان وجهه دائمًا هادئًا، كأن الزمن مرّ عليه باركه، ولم يسقطه.

كان يخرج كل فجرٍ ويقف على صخرةٍ في وسط الأرض، يضع يده خلف ظهره وينظر طويلًا، كأنه يرى ما لا يُرى. قالوا عنه وسخروا منه، بعضهم قال زاهد، لكن أكثرهم كان يعتقد أن في قلبه سرًّا لا يُقال.

في مجلس من مجالس الشتاء، اشتد الجدل بين الورثة. أحدهم قال:
– يجب أن نبيع الأرض ونرتاح، ما عدنا نقدر نقاوم هذا الظلم!
ورد آخر:
– نرفع دعوى، أو نرضى بنصيبنا كما هو، وشبعنا انتظار!
ظل هو ساكتًا، يحرّك عنيه بعناية، حتى قال احدهم وسُئله مباشرة:
– وأنت يا عم، ساكت من سنين، ما قلت رأيك!
رفع رأسه بهدوء وقال:
– من باع أرضه باع ستره، ومن نسي عهدها خسر خيرها …
ويا أولادي، كل مغصوبٍ فيه داء، وإن تأخر العقاب، فهو آتٍ لا محالة.

ضحك شاب كان في المجلس، وقال:
– عمي… هاي كلمات شعر، إحنا نعيش واقع!

فقال، دون أن يلتفت إليه:
– الواقع ما يغيّر السنن… اللي نسى أن الله لا يرضى بالظلم، فهو ما فهم لا الواقع ولا الغيب.
مرت السنون، والورثة اختلفوا وتفرّقوا، بعضهم خسر في المحاكم، بعضهم باع نصيبه لناس غرباء، وبعضهم دخل في صراعات قانونية طويلة. وحده بقي على حاله.

كان يحتفظ بأوراق قديمة، خرائط بخط اليد، توقيعات رجال راحلين، حتى صورة فوتوغرافية نادرة للسيد كاظم قرب النهر، وهو يبتسم.

وفي سنةٍ عجفاء، حدثت مفاجأة.
ظهر قرار قضائي بإبطال جزء من العقود القديمة التي كانت تبرر الاستيلاء على الأرض، بسبب تزويرٍ أثبته أحد المستشارين، الذي – كما يُقال – كان قد جلس معه مرة واحدة فقط، وخرج وهو يتمتم: الحق لا يموت، لكنه يمشي على مهل.

عندها قال من سخروا منه سابقًا:
– والله لم يخرف ولم يجن … بل انه كان عارفا.

ومنذ ذلك اليوم، صار اسمه في لسان الناس:
العارف… صاحب الأرض والنفس الطويل.