مراجعات ما بعد الحرب..!
محمد شريف أبو ميسم ||

لا يمكن لحرب تنسف خرافة تفوق الكيان الذي لا يقهر، الا أن تكون مدعاة لمراجعات تطال العقل والحسابات والعقائد، اذ لا يمكن لكم الأسئلة التي تدور في الأذهان ، أو التي استفزتها معطيات الحرب الا ان تكون ضاغطة على العقل العربي والاسلامي الذي دجنته وسائل الاعلام وقدمت له الكيان الغاصب بوصفه كيان لا يقهر،
ليس لأن الحرب قدمت لنا ما ينسف فكرة عدم التفوق واستحالة الردع وحسب، بل لأن ما لحق بالكيان جاء من بلد محاصر منذ أكثر من أربعين عاما، بعد أن خرج من حرب الثمان سنوات، وهو لا يملك أن ينفتح على العلوم والمعارف التي احتكرتها دول وشركات تحكم العالم،
ليحقق هذا التفوق العلمي في أدوات الحرب ابتداء من صناعة الصواريخ الفرط صوتية مرورا بأدوات الرصد والاستمكان والدفاع الجوي والبحري وانتهاء بأدوات الحرب السيبرانية،
ليكون غريما يحسب له ألف حساب في المواجهة، ناهيك عن قدراته الهائلة في الجبهات الداخلية التي تبدأ بالاكتفاء الذاتي في معظم الصناعات العسكرية والمدنية مرورا بتحقيق الأمن الغذائي، وصولا الى ما يسمى بقدرات الصبر الاستراتيجي القائمة على تماسك النسيج المجتمعي والمؤسساتي، واعتماد اسلوب البديل الجاهز للخسائر في ادارة المعركة؟
وهذا السؤال يسحب خلفه كم هائل من الأسئلة، في مقدمتها، الجدوى الدفاعية من عمليات شراء الأسلحة من جهات دولية قادرة على افشال استخدامات هذه الأسلحة، حتى في حالات الدفاع عن النفس، وعن امكانية الاعتماد على الذات في هذا الشأن، لتحقيق الحد الأدنى من الردع للتهديدات التي تتعرض لها الدول؟
وتغليب فكرة تعظيم الامكانيات الذاتية في ظروف الحرب والسلم وتحقيق الاكتفاء الذاتي في عموم القطاعات الحقيقية عبر اعتماد العلم، وليس سوى العلم ، عبر تطوير المؤسسات العلمية ومنهاهج التعليم، ورعاية المواهب العلمية، وهذا ما يتم تداوله حاليا عبر مواقع التواصل الاجتماعية عبر أصوات من دول عربية واسلامية عديدة، تشاهد لأول مرة احتراق النمر الورقي، الذي قدم بوصفه عملاق لا يهزم.
واذا كان عنوان الحرب هو الملف النووي، فان مخرجات الحرب، تستفز الأسئلة التي تدور حول سر استهداف هذا التفوق العلمي، ليس لأن ايران تعلن صراحة عدائها للكيان الصهيوني، فتكون الخشية من امتلاكها قنلة نووية وحسب، بل لأن استخدامات الطاقة النووية للأغراض السلمية،
تؤسس لواقع مغاير لما يريده الكيان الصهيوني وأمريكا في منطقة يراد لها أن لا تملك امكانيات ادارة شؤونها في عالم تديره الشركات التي تحكم العالم، اذ ان الاستخدامات النووية السلمية لا تنحصر عند توليد الكهرباء وتشغيل المصانع، بل تمتد لتشمل كل قطاعات ومفاصل الحياة وامكانيات التطور، بدأ في الاستخدامات الصناعية والزراعية المتعددة ومرورا بأستخدامات الأدوات الطبية وتحلية المياه وسواها وانتهاء بأدوات استكشاف الفضاء.
في وقت يراد لهذه المنطقة في ظل اقامة دولة “اسرائيل الكبرى” أن تكون تحت الوصاية العلمية لقدرات الشركات التي تحكم العالم، الأمر الذي سيدفع الأسئلة التي جيرتها الأدوات السمعية والبصرية في الشبكة العكبوتية لصالح الاستهلاك ومخاطبة الشهوات والغرائز، نحو طرق البحث عن اجابات غير تقليدية في نطاق العقل الثقافي على أقل تقدير، بعد أن سقطت دوافع المحاكات لمخرجات العولمة الثقافية بوصفها الشكل المتحضر لما يسمى بثقافة ما بعد الحداثة.
من جانب آخر، سيعاد البحث عن الأجوبة التي تحوم حول استخدامات نظرية المؤامرة، بعد سقوط مسمى “المسرحية” بين ايران من جانب ومحور الكيان وأمريكا من جانب آخر على مدار سنوات الصراع بين المحورين، اذ بات واضحا من خلال الأصوات العربية والاسلامية على وسائل الاعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، التي بدأت تتهكم على مخرجات نظرية المؤامرة، وعلى دوافع اشتغال المؤسسات الصهيونية على النهج الطائفي والعرقي بين شعوب المنطقة، وداخل التشكيلات المجتمعية، بعد أن قدمت ايران بوصفها دولة تتبنى مشروعا طائفيا توسعيا،
وبناء عليه، لا يمكن لهذه المراجعات الا أن تكون فاتحة لمغلقات فكرية وعقلية، باتت ضاغطة على العقل العربي والاسلامي، وهو يتسائل لماذا كانت وما زالت بلداننا في حالة من التقهقر والتراجع دائما وهي تمتلك امكانيات هائلة ازاء امكانيات دولة محاصرة استطاعت أن تقدم ما عجز عن تقديمه الآخرون.




