العراق ثروات مُهدرة وسيادة منقوصة، وإيران نموذج الصمود المسلح..!
طه حسن الأركوازي – الخبير بالشأن السياسي والأمني ||

متى ستصحى الطبقة السياسية من سُبات الوهم الذي هُم فيه .؟
سؤال يتردد في أذهان كُل عراقي ويختزل واقعاً مريراً تعيشه أُمة عانت ولا تزال تعاني من ويلات الحروب والصراعات والأزمات ، أُمة غنية بمواردها وطاقات شبابها ، ولكنها فقيرة في إدارة ثرواتها وسيادتها .؟
مازالت الطبقة السياسية المُنشغلة بصراعاتها الداخلية ومصالحها الحزبية والفئوية الضيقة تاركةً الوطن فريسة للفساد المستشري وتأثيرات إقليمية ودولية تهدد وجوده .؟
أولاً : غياب الرؤية وتغول الفساد .؟
منذ عام 2003 ، يئن العراق تحت وطأة نظام سياسي محاصصي أثبت فشله الذريع في بناء دولة قوية ومزدهرة ، بدلًا من توجيه الجهود نحو بناء مؤسسات وطنية قادرة على حماية البلاد وتأمين أحتياجات مواطنيها أنغمست الطبقة السياسية في مستنقع عميق من الفساد وسوء الإدارة ، تكشف التقارير والأرقام عن حجم الكارثة ، ففي عام 2021 ، أشار رئيس الجمهورية ( برهم صالح ) إلى أن الأموال المنهوبة من العراق منذ 2003 تقدر بنحو 150 مليار دولار من أصل ألف مليار دولار من عائدات النفط ، وتشير تقديرات أخرى إلى أن الفساد أهدر نحو 450 مليار دولار من الموازنات العراقية بين عامي 2003 و2015 .
هذا الفساد لا يقتصر على نهب المال العام ، بل يتغلغل في كافة مفاصل الدولة بدءاً من التعيينات الوظيفية وصولًا إلى تنفيذ المشاريع الكبرى .
ووفقاً لتقييم لهيئة النزاهة في عام 2021 ، هذا الوضع أدى إلى تدهور الخدمات الأساسية ، وأرتفاع معدلات البطالة والفقر ، وفقدان ثقة المواطنين في العملية السياسية برمتها .
ثانياً : إيران حصار وعزيمة في بناء القدرات الدفاعية .؟
في المقابل ، نجد نموذجاً آخر لدولة تواجه تحديات جسيمة ، لكنها أستطاعت رغم الحصار والعقوبات المستمرة عليها منذ أربعة عقود ، أن تحقق تقدماً جباراً في بناء قدراتها الدفاعية والتنموية .
إيران ، التي تُحيط بها التهديدات من كُل جانب ، لكنها أولت اهتماماً بالغاً بتطوير صناعاتها العسكرية لتأمين سيادتها وحماية مصالحها .
لقد أستثمرت إيران بشكل كبير في تطوير صواريخها الباليستية وطائراتها المُسيرة وأنظمة الدفاع الجوي والأسلحة المضادة للدروع .
وفي عام 2024 ، كشف الحرس الثوري الإيراني عن نماذج جديدة من الصواريخ والقذائف الذكية ، بالإضافة إلى تعزيز القدرات القتالية لطائرات “مهاجر” المسيرة الاستراتيجية ، هذه الجهود مكنت إيران من أمتلاك قوة ردع إقليمية لا يستهان بها ، وجعلتها قادرة على مواجهة التحديات الأمنية التي تواجهها ، بما في ذلك التهديدات الإسرائيلية والأمريكية .
ثالثاً : مقارنة مؤلمة العراق وإيران في ميزان الأمن والسيادة .؟
عند مقارنة الوضع في العراق مع ما حققته إيران المُحاصرة يتبين حجم التقصير والإهمال الذي مارسته الطبقة السياسية العراقية ، فبينما تنفق إيران مليارات الدولارات على تطوير قدراتها الدفاعية ، يرزح العراق تحت وطأة الفساد الذي يعيق بناء جيش قوي قادر على حماية سيادته وحدوده وأجوائه ومياهه الإقليمية .
ففي عام 2024 ، بلغت ميزانية الدفاع الإيرانية أكثر من 9 مليارات دولار ، بينما كانت ميزانية الدفاع العراقية حوالي 5 مليارات دولار .؟
الأمر لا يتعلق فقط بحجم الإنفاق ، بل بالأولويات والرؤية ، ففي إيران يعتبر بناء القدرة الدفاعية قضية وطنية عليا تتجاوز الخلافات السياسية ، بينما في العراق غالباً ما تخضع المؤسسة العسكرية للتجاذبات الحزبية والمصالح الفئوية ، هذا الواقع المرير يجعل العراق عرضة للتدخلات الخارجية ويقلل من قدرته على فرض سيادته على كامل أراضيه .
رابعاً : الواقع الراهن وتداعياته الإقليمية .؟
في ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة يصبح غياب قوة عراقية رادعة أمراً بالغ الخطورة ، فالعراق بموقعه الجيوسياسي الحساس وثرواته النفطية يقع في قلب الصراع بين القوى الإقليمية والدولية ،
إن ضعف العراق يجعله ساحة لتصفية الحسابات بين هذه القوى ويعرض أمنه وأستقراره للخطر ،
ما نشاهده من ضربات وهجمات متبادلة في المنطقة وتصاعد وتيرة التهديدات يؤكد الحاجة الملحة لأن يمتلك العراق القدرة على حماية نفسه والدفاع عن سيادته وهذا لن يتحقق إلا من خلال مكافحة الفساد بكل قوة ، وتوجيه الموارد نحو بناء مؤسسات وطنية قوية وعلى رأسها مؤسساتنا الأمنية على أختلاف مُسمياتها .
أخيراً وليس أخراً .. إن الوضع الراهن في العراق يستدعي وقفة جادة من جميع القوى الوطنية المخلصة ، لقد حان الوقت لأن تتجاوز الطبقة السياسية صراعاتها ومصالحها الضيقة ، وأن تضع مصلحة الوطن فوق كل أعتبار .
إن بناء عراق قوي ومزدهر ومستقل يتطلب إرادة سياسية حقيقية لمكافحة الفساد ، وتوجيه الموارد نحو بناء القدرات الدفاعية والاقتصادية والتنموية ، وأستعادة ثقة المواطنين بالدولة ومؤسساتها .
الى متى سيبقى هذا الحال .؟
سؤال يجب أن يوجهه كُل عراقي إلى الطبقة السياسية مُطالباً إياها بتحمل مسؤولياتها التاريخية والعمل بجد وإخلاص لإنقاذ البلاد من براثن الفساد وتحقيق تطلعات الشعب في الأمن والازدهار والسيادة الكاملة .
إن الدرس الذي يقدمه نموذج إيران رغم كُل التحديات يجب أن يكون حافزاً للعراقيين للسعي نحو بناء وطن قوي قادر على حماية نفسه والدفاع عن مصالحه في وجه التحديات الإقليمية والدولية …!




