العباءة العراقية.. بين أصالة التاريخ وصراعات الحاضر..!
الكاتب والناقد السياسي حسن درباش العامري ||

بغداد
وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ…..
العباءة العراقية التي ترتديها النساء ليست مجرد قطعة قماش تُغطى بها الأجساد فقط، بل هي إرث حضاري وإسلامي عريق ارتبط بوجدان المرأة العراقية وطبيعتها وميولها للعفة والشرف منذ أزمان طويلة.
لقد كانت ـ وما زالت لدى كثيرين ـ عنواناً للحشمة والوقار وأداة من أدوات إتمام الدين وتحقيق الالتزام بالحدود الشرعية للازياء الاسلامية، وجزءاً أصيلاً من هوية المرأة المسلمة في العراق.
إلا أن رياح التغير الاجتماعي والموضات العصرية، لاسيما في أوساط الشابات وطالبات المدارس والجامعات، قد جرفت الكثير منهن نحو نماذج أزياء مبتعدة عن هذا الزي التقليدي المحتشم.
وأمام إغراءات العصر وتيارات “الحداثة” في الأزياء، بات يُنظر إلى العباءة وكأنها بقايا ماضٍ لم يعد يناسب روح العصر، في حين أنها ما تزال تمثل خياراً إيمانياً وأخلاقياً يعكس الالتزام بثوابت الإسلام في الحشمة ونبذ التبرج والعري وارتداء الملابس الضيقة والفاضحة.
واليوم، مع تنامي الدعوات المجتمعية إلى استعادة هذا الزي كخيار يحفظ للمرأة كرامتها وهويتها، تعود مسألة ارتداء العباءة العراقية إلى الواجهة من جديد لتكون أداة جديدة يحاول البعض استخدامها لضرب الدين والتشهير بالمذاهب الأخرى ليفرغ سموم واحقاد يحملها ،
فقد حاول أحد التافهين لربط قضية العباءة الزينبية بآيات المتعة الذي ذكرها الله في كتابه الكريم في محاولة لتشويه الدين الاسلامي وتشوية من امن بالله واليوم الآخر وربما ما أثار تلك الأحقاد هي اسم الزينبية كون السيدة زينب عليها السلام قد وقفت بوجة أمامهم الفاسق يزيد ابن معاوية لتجعله محط الفاسق المرتد. غير أن هذا الجدل لم يخلُ من محاولات التشويه والتسييس، إذ انبرت بعض القنوات الإعلامية وأشخاص يفتقرون لفهم معنى الحشمة ومقاصد الشريعة الإسلامية في هذا الباب،
إلى تسمية العباءة العراقية بالعباءة الإيرانية بدافع الحقد أو الجهل، أو بدوافع طائفية ضيقة لا علاقة لها بجوهر الموضوع.
ويثير بعض هؤلاء أيضاً الجدل حول تسميات حديثة كالـ”عباءة الزينبية”، التي يرونها امتداداً لمظاهر طائفية متخيلة، بينما هي في حقيقتها تعبير عن التمسك بسنة الحشمة التي جسدها آل بيت النبي (ص)، وهي مرجعية روحية وأخلاقية لكل المسلمين، لا مبرر لكرهها أو التشكيك فيها.
يبقى الأهم في هذا السياق أن يُفهم موضوع الحشمة بعيداً عن التوظيف السياسي أو الطائفي.
فالعباءة العراقية ـ بكل تسمياتها وتنوعاتها ـ هي إرث مشترك لجميع العراقيين، وهي لباس محتشم يحترم قيم الإسلام السامية، ويمثل حقاً من حقوق المرأة في اختيار ما يصون كرامتها في زمن كثرت فيه محاولات اختزالها في صورة سطحية تعتمد على المظهر لا الجوهر.




