رمضان قد أقبل..شهر الروحانية والنفحات العطرة..!
جليل هاشم البكاء ||

حين يقال … رمضان قد أقبل، فإن في هذه الكلمات عبقًا خاصًا لا يشبه أي إعلان آخر. إنه ليس مجرد شهر يضاف إلى تقويم الأيام، بل هو محطة إيمانية، رحلة روحية، ونفحة سماوية تهب على القلوب المتعطشة للسكينة والتجديد.
رمضان، هذا الضيف الكريم، يحمل معه أسرارًا لا تُدرك إلا لمن فتح له قلبه واستعد لاستقباله بروح العابد المتلهف. فلو أن الإنسان صام العام كله، ما شعر بتلك اللذة الفريدة التي تهبها أيام رمضان، حيث البركات تتنزل، والأرواح تترقى، والنفوس تتطهر في ظلال الطاعة.
نفحات لا تُدرك إلا في رمضان
في هذا الشهر، تتغير موازين الحياة، وتتحول الأيام والليالي إلى مزيج من الطاعة والصفاء، فمع أذان المغرب، لا تنطلق الأيدي فقط لتناول الإفطار، بل تنفتح القلوب بالدعاء والرجاء، وتمتلئ المساجد بروادها المتلهفين لصلاة التراويح، حيث تقام أعظم الليالي التي تسطع فيها أنوار المغفرة والرحمة.
وهل هناك فرحة تضاهي فرحة الصائم حين يفطر؟ وهل هناك سكينة تضاهي تلك اللحظات التي تسبق السحور، حين يعم الصمت، وتنطلق الهمسات الخاشعة إلى السماء؟ إنه رمضان، الزمن الذي يجعل للعبادات طعمًا آخر، وللأيام روحًا مختلفة.
المحروم من الصيام… طاعة رغم الحرمان
لكن ما أشد الحسرة على من اشتاقت روحه للصيام، ولكنه منع منه لعذر شرعي، كالمريض الذي لا يقوى على تحمله!
إنه محروم من هذه النعمة العظيمة، لكنه في طاعته لإفطاره وفق أمر الله، ينال أجره كاملًا غير منقوص. الفرق شاسع بينه وبين من حُرم قلبه من نور الإيمان، فذاك يتألم شوقًا إلى الطاعة، بينما الآخر غارق في غفلته، يجاهر بمعصيته، ويفاخر بطاعة الشيطان.
المريض الصادق، ذاك الذي أحب الصيام لكنه عجز عنه، يشعر بالأسى، ويكتم ألمه في قلبه، ولا يتفاخر بإفطاره، بل يرجو من الله أن يعافيه ليعود إليه العام القادم صائمًا. أما مريض القلب والخبث، فهو الذي يعادي روحانية الشهر، ويجاهر بالإفطار استهزاءً أو تمردًا، لا عذرًا ولا اضطرارًا، بل عنادًا وطغيانًا.
العيد الحقيقي في رمضان
يظن البعض أن العيد يأتي بعد رمضان، لكنه في الحقيقة يسكن بين ثنايا الشهر ذاته. العيد هو لحظة الصفاء التي يشعر بها الصائم عند كل ركعة يخشع فيها، وكل دمعة تنهمر من عين تائبة، وكل لحظة يدنو فيها القلب من الله. العيد في رمضان هو فرحة القيام، وسعادة الصدقة، وبهجة إصلاح القلوب ومد جسور المحبة.
فإن قيل … رمضان قد أقبل، فاعلم أن أبواب الرحمة قد فُتحت، وأن الفرصة قد جاءت، وأن النفوس مدعوة لوليمة إلهية لا نظير لها. فلنجعل من هذا الشهر عيدًا دائمًا لأرواحنا، ولنزفه إلى قلوبنا بحب، فربما لن يحظى أحدنا بفرصة أخرى ليقول …
رمضان قد أقبل..




