الخميس - 18 يونيو 2026

حين يصلي المثقف  وراء الجولاني..!

منذ سنة واحدة
الخميس - 18 يونيو 2026

علي عنبر السعدي ||

– اضطراب في الفهم ؟ أم محاولة ” قتل الأب ” ؟
– الى أين وصلوا في اسبوعين ؟؟
– اشهدوا لنا عند الجولاني ،فبيده المستقبل .
– أمريكا تختار قيادات سنية ، لأنها تؤمر فتُطيع ،بعد ان راهنت على الشيعة ،فتمردوا عليها.
– قوافل الطائعين ،بعد قوافل المطبّعين .

نعود للبداية : حين صرخ مظفر النواب “وربّ ادعاء شيوعية ،يصلي وراء اليماني في الحرمين ” ظن من استمعها ،ان النواب ثمل وناقم كعادته ،فالشيوعيين يومها ،كانوا طليعة “الثورة” العالمية ضد الهيمنة الامبريالية ، والمياني – أحمد زكي – وزير البترول السعودي ،كان يمثل رمزاً بارزاً من الرجعية العربية المرتبطة بالاستعمار والامبريالية ، لذا لم يكن بالمتصور – مجرد التصور- ان ذلك سيحدث فعلاً ،وتجرد اقلام – يفترض انها مثقفة صاحبة وعي – للإشادة بالجولاني أو التضامن مع من مدحه ، باعتباره حقق في اسبوعين ،ماعجز العراق عنه في عشرين عاماً .

لكن ما الذي تحقق في سوريا فعلاً ؟كي يصطف كل هذا العدد من بقايا الشيوعيين والبعثيين القدماء والمدنيين (الليبيراليين) الجدد ،للتضامن مع المتضامن ؟؟
أحدهم – دكتور- ومغرم بالفلسفة وصاحب منتدى فكري ،يرى ان صاحب الاشادة ،يقصد كيف تحققت في سوريا (وحدة القيادة) وذلك ماعجز عنه العراق ، فيما يرى آخرون ،انها حرية رأي ،ولايجوز مصادرتها ،ثملون يتزحلقون على جليد ،تلك هي خلاصة “تضامن” هؤلاء، كيف ؟

الذي أعجب بـ (وحدة القيادة )تناسى ان كل من جاء بقوة السلاح ،يستطيع توحيد القيادة ،فقد فعلت طالبان ذلك ، كما فعلته القاعدة وداعش والنصرة وسمير جعجع ، وفي الأنظمة ،فعلها كاسترو ،وبينوشت ،وصدام ، وبعد الناصر ، والنظام السعودي – وانظمة الخليج عموماً – بل والأسد ذاته ،والأمثلة تطول.

كما ان ما يميز المنهج السني – السلفي – عموماً ،قاعدة ،”من قويت شوكته وجبت طاعته ” وهذا ماسارت عليه الانظمة العربية – عموماً – وانظمة الخليج خصوصاً ،فحافظت على حكمها طوال عقود ،فيما عصف التغيير بغيرها ، وبالتالي لم تنجح أمريكا بمراهناتها على الشيعة الذين تمردوا عليها ،فحوّلتها نحو السنّة من جديد ، ولمعت وسائل اعلامها وخطابها السياسي ،بشخصية الجولاني وانجازاته ،بعد أن ارتدى ثياب ” المدنية” ولم يبق الا ان يحلق لحيته ، ليصبح ليبرالياً حضارياً ،يؤيده (مدنيو) العراق .

هاجم الاعلام العربي – والعراقي – بشدة وعنف ، حالة التغيير في العراق ،وشوه كل انجاز ،بل واضاف أكاذيب ،فتمنطق بها وسكبها في جوفه المثقف العراقي ،وسار وراء ما نشرته ونقلته ، ثم فعل الاعلام ذاته ،بتجميل كل ماحدث في سوريا ، متجاهلاً الكثير من الحقائق التي تجري هناك – ومنها التصفيات الجسدية على خلفية طائفية او عرقية او سياسية – للكثير من العلماء والكفاءات السورية ، وتجريد سوريا من كل مصادر قوتها وسيادتها كدولة ،حيث تقاسمها نتنياهو في الجولان ،واردوغان في الشمال ،والاكراد في الشمال / الشرقي ،فيما يطالب الدروز بالانضمام الى اسرائيل علناً ، وتطمح الأردن بالتوسع في درعا ، وبهذا الواقع، ينطبق على الجولاني قول الشاعر العباسي “خليفة مرتهن – بين وصيف وبغا ” .

بالقليل من المغامرة يمكن القول : ان المثقف “الشيعي خصوصاً ” مصاب بعقدة قتل الأب ،فلكي يثبت انه صاحب رأي مستقل ،عليه ان يهاجم الاحزاب السياسية في العراق ، وان يلتصق بالخطاب العربي السائد ، حتى لو كانت الموضوعية تقول ، انهم حققوا في بضع سنوات ،ماعجز عنه التاريخ العربي عبر 1400 عام ، فقد كتبوا دستوراً وطرحوه للاستفتاء ، ثم أجروا سلسلة من عمليات الانتخاب في مواعيدها – كما نص الدستور –،وحددوا هوية العراق ،فحافظوا على وحدة أرضه وشعبه ،وصانوا الحريات العامة والخاصة ،واقاموا دولة لم يسبق ان شهد مثلها كل تاريخ العرب ،حدث ذلك وسط هجوم شرس ومتواصل ومكثف – سياسياً وامنياً واعلامياً – وبنوا قوات عسكرية يحسب حسابها .

ذلك ماتراه كل عين ترى ،ويفهمه كل عقل يفهم ،بصرف النظر عن مقدار تأييدك او انتقادك لما حدث .

هناك تهمتان جاهزتان وترددان باستمرار ،والتمسك بهما يؤكد حقيقة العقل المبعثر ،بين الفساد – والتبعية .مقابل الدونية والذيلية .

هذا ما نتطرق اليه في الحلقة القادمة ،لنرى الحقيقة الموضوعية ،مقابل الاشاعة الاعلامية .