الخميس - 18 يونيو 2026

النرجيلة: ظاهرة اجتماعية مدمرة ومخاطر تتجاوز التدخين..!

منذ سنة واحدة
الخميس - 18 يونيو 2026

د. عامر الطائي ||

لقد تفشت في مجتمعاتنا ظاهرة خطيرة ينبغي الوقوف عندها بحزم وإمعان نظر؛ ظاهرة أصبحت جزءاً من الحياة اليومية، يمارسها الكبار والصغار، الرجال والنساء، في البيوت والمقاهي وأماكن العمل.

تلك الظاهرة هي النرجيلة أو ما يسميها البعض بالأرجيلة. وإن كان التدخين يعد من الآفات التي لطالما حذر منها الأطباء ورجال الدين، فإن النرجيلة تتفوق على التدخين التقليدي بأضعاف في خطرها وأذاها.

إنك لتقف مشدوهاً أمام مشهد أصبح مألوفاً في شوارع مدننا وفي ضواحي القرى، حيث ترى الجلسات تعج بالمدخنين، وكأن النرجيلة قد غدت رفيقة جلساتهم لا غنى عنها. ولعل أخطر ما في الأمر هو اعتقاد الكثيرين بأنها أقل ضرراً من السجائر، بيد أن هذا الاعتقاد لا يصمد أمام الدراسات العلمية الرصينة التي أكدت أن جلسة نرجيلة واحدة قد تعادل في ضررها تدخين عشرات السجائر.

فالدخان المستنشق محمّل بأعلى تركيز من المواد السامة، وعلى رأسها النيكوتين وأول أكسيد الكربون والمعادن الثقيلة.

مخاطر صحية مرعبة
إذا تأملت في تقارير وزارة الصحة وفي الدراسات العالمية، ستجد أرقاماً مرعبة تدعو للقلق. فالنرجيلة تُسهِم في الإصابة بسرطانات الرئة، والمعدة، والمثانة، والحنجرة، ناهيك عن الأمراض المزمنة الأخرى كأمراض القلب وتصلب الشرايين، وأمراض الجهاز التنفسي. ليس هذا فحسب، بل إن دخان النرجيلة يضر بالآخرين الذين يجلسون إلى جانب المدخنين، فيعرضهم لما يسمى بـ”التدخين السلبي”، وهو أمر قد يقود إلى مشاكل صحية لا تقل خطورة.

جذور اجتماعية ونفسية
إن انتشار هذه الظاهرة في مجتمعاتنا العراقية، كما في المجتمع اللبناني والسوري والأردني، لا يمكن عزله عن السياق الاجتماعي والنفسي الذي يعيشه الناس.

فقد أسهمت الأزمات الاقتصادية والصراعات السياسية في نشر الكآبة والقلق والتوتر بين الأفراد، مما دفع البعض إلى اللجوء للنرجيلة كوسيلة زائفة للهروب من واقعهم المرير. ويبدو أن التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي قد لعبت دوراً في تعزيز هذه الثقافة؛ حيث تتباهى بعض الفئات في نشر صورهم وجلساتهم مع النرجيلة، ما يرسخ هذه العادة لدى الأجيال الشابة.

الدور الديني والتشريعي
لقد كان لمراجع الدين موقف واضح من هذه الآفة، حيث أفتى الكثيرون بتحريم التدخين من أساسه، فكيف بالنرجيلة التي تتضاعف فيها المخاطر؟ إن المسؤولية هنا مشتركة بين الأفراد، والأسرة، والدولة.

ينبغي على المؤسسات الصحية أن ترفع مستوى التوعية بأخطار النرجيلة، وأن تتخذ إجراءات صارمة للحد من انتشارها، بدءاً من منع تدخينها في الأماكن العامة والمؤسسات الحكومية، إلى فرض قيود على المقاهي التي تروج لها.

كما ينبغي على الدولة أن تسن قوانين أكثر صرامة لمنع تدخين النرجيلة بين القاصرين، وتوفير برامج تأهيلية للإقلاع عن هذه العادة القاتلة. إن التصدي لهذه الظاهرة واجب وطني وأخلاقي، لأن تركها دون معالجة لن يؤدي إلا إلى تدهور صحة المجتمع، وانتشار ظواهر أكثر خطورة مثل تعاطي المخدرات التي وجدت في النرجيلة وسيلة خفية لترويجها.

مسؤولية الجميع
أيها القارئ العزيز، إن مكافحة ظاهرة النرجيلة تتطلب وعياً جماعياً وإرادة حقيقية.

فالمجتمع بأسره مسؤول عن التصدي لهذه الآفة، بدءاً من الأسرة التي ينبغي أن تربي أبناءها على الوعي الصحي، وصولاً إلى المدارس والجامعات التي يجب أن تكرس التوعية بمخاطر التدخين بكل أشكاله.

وأنت، أيها المدخن، تذكر أن صحتك أمانة بين يديك، وأن الاستسلام لهذه العادة هو استسلام للمرض والموت البطيء.

فلنتكاتف جميعاً من أجل مجتمع صحي خالٍ من النرجيلة، ومن أجل مستقبل لا تسوده رائحة الدخان، بل تملؤه نسائم الحياة والهواء النقي.

إذا أعجبك هذا المقال، اشترك في القناة لنشر الوعي ومكافحة هذه الظواهر الهدامة.