مَن يواسيني؟!
كوثر العزاوي ||

وعاد الفقد يمزقني، أربعون عامًا وأنا لا أرى في منعطفات حياتي سواي، وفي كل مرة أعلّل النفس بأملٍ جديد يُلهم خاطري جبرًا، فيفرّ مني فرار الطير من قفصه، للتوّ فتحتُ عينَيّ في نشوة الشباب وزهو الفطنة، وجدت نفسي مكلومة بقائد عرفناه نائبًا لصاحب الروح والزمان فعشقناه واتبعناه، فطفق القدر يزاحمنا حتى اختطفه من فرط شوق الملكوت إليه، بعد أن وَفىٰ بما عاهد اللهَ عليه، فما كان مني غير الصبر وكتمان اللوعة، ولمثل السيد محمد باقر الصدر آنذاك تقرح الجفون ويلتاع الفؤاد، وتسير السنين بثقل الجبال، وما فتِئَ الزمان يدور حتى فُجعتُ بروح الله،
فآلم الروح روحي، وأدمى رحيله قلبي، فقد كان رغم البعد يمثّل الأب الرؤوم في حقبة خلت ساحتنا من الذادَة والقادة والحماة وأصبح لايُرى إلّا أطيافهم، فكان طيف روح الله يلهمني، ولكن سرعان ماستعجل نجمه الأفول من سمائي، ليعود اليُتمَ ينادمني ريثما يسفِر الليل عن صبح جديد، فبانَ صبح نظير روح الله لذي عينين، يوم أودعهُ أمانة المستضعفين في العالم، فاخضرّ عودي واستبشرت أحزاني، فها هو نجم الخامنئي يلمع في سمائي، فانقشعت غيوم الأسى، وشهِقَ القلب مع الدموع نبضة نبضة، وفي ذات الأفق العلَويّ ابصرت “نصر الله” في إشراقة إنسانٍ ملكوتيّ، ولم أكن أعرفه،
فانشرح الصدر وهدأ روعي، وكان ذا في حقبة كبّل الطاغوت رجال الأمة في بلادي وأحكم الأصفاد في أيدي صلحائها، وكان ماكان من استباحة المقدسات وإباحة الموبقات، وخنق الحريات! ومضيتُ برضًا حيث تمضي الأقدار بإذن ربها، أقطع المسافات في سنين من الغربة، وانا أعلم أنّ ثمة شيء ما أنتظره أو ينتظرني! وفي غفلة من الزمن، يتجاسر العدو الغاشم على ركن من أركان أملي في عملية غدر حاقدة،
ليفجعني!
وتعرج روح “نصر الله” ويدلهمّ أفق الروح ثالثة، فضجّ خافقي وعلا نحيبي، وسؤال يلحّ حائرًا يزاحم غزير الدمع في عيوني، ثم ماذا ياقلب؟رويدك لاتخفق، ودعِ الشغف ثابتًا، وتعلّم من أربعينك الانتصار وأبتسم مِلأ حزنك، وداهم الأحزان بصبرك، فالله يحب الصابرين، أيْنِع صبرًا أيا قلبُ وتَجمّل يكفيك فخرًا إنك عاشقُ الأحياء من ذوي الأبصار والبصائر وذلك لن يموت، ولابد لجمرِ الغضى بين الجوانح أن يُضيء يوما، ولكن..
مَن يقنع القلب ليَعي معنى أنّ القبر يتّسع العوالم!! وكيف سيحملون نعشًا بحجمِ الإنسانيّةِ والإسلام! وأنّى للثرى احتواء الرجولة والغيرة والعزة لمثل نصر الله! وماهي غير سويعات من بلاء وانتظار لكنها مشحونة بالحكايات، وحكاية “نصر الله” تتخطى الفَهم والبيان والشعور، في لوعة وذهول قد تميز القبح من الجميل، وتبين الرشد من الغيّ، واتّضح الواقع من الوَهم، وفي غمرة الحزن والفجيعة، علمتُ أنّ الكثرة من كل شيء عذاب، ولا تطيق الروح غفلة النفس عن مُرادها وثمة حقيقة في الغيب لا بد أن تُشرق شمسها على ذاتي، لأعلمَ ويعلم الجميع، مِن أي الفريقين نحن!!
فخذوا قلبي وتلك بعض أسرارهِ جادتْ بما جاد به البلاء، فمثلهُ ينتصر، ومثلي ينتظر، وعزائي في كل خطوة أمل موعود سيأتي، رُفع القلم وجفت الصحف!
٣٠-ربيع الاول-١٤٤٦هجري
٤-تشرين الأول-٢٠٢٤ميلادي




