💎 جواهر عَلَويَّةٌ: كُنْ لِلْوُدِّ حافِظاً وَإِنْ لَمْ تَجِدْ مُحافِظاً
السيد بلال وهبي ـ لبنان ||

📢 رُوِيَ عن الإمام علِيَّ (ع) أنه قال: “كُنْ لِلْوُدِّ حافِظاً وَإِنْ لَمْ تَجِدْ مُحافِظاً”
الانسجام الاجتماعي واحد من الأهداف الكبرى التي يسعى الإسلام إلى تجسيدها في الحياة الإنسانية، والعقيدة والشريعة الإسلاميتين كلتاهما تسعيان إلى تحقيق هذا الهدف النبيل، فالعقيدة الإسلامية ترى أن المؤمنين أخوة في الإيمان، والناس إخوة في الإنسانية، وأن لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى ومكارم الأخلاق ومَرضِيّ الأفعال، والشريعة جاءت بمنظومة متكاملة في هذا الشأن، من الأمر بصلة الأرحام، إلى موَدَّة الأخ في الله، إلى أداء حقوقه، وإعانته، والدفاع عنه، وحفظه غائباً وحاضراً وسوى ذلك من الحقوق التي حفلت بها.
بل يذهب الإسلام أبعد من ذلك في هذا المجال، فلا يكتفي بالدعوة إلى التراحم والتعاون بين المؤمنين، بل يدعوهم إلى أن يقيموا علاقاتهم على أساس المحبة والمودة، فهم بهذا ينسجمون مع أهم الأُسُس التي قام عليها الوجود كله، وهو الحُبُّ، ذلك أن الله تعالى خلق الخلق كله لأنه أحب وجوده فأفاض عليه وجوده، ثم أقام علاقته بخلقه على أساس هذا الحب، فهو يرزقهم لأنه يحبهم، ويفيض عليهم من كماله لأنه يحبهم، ويهديهم لأنه يحبهم، بل يمنع عنهم لأنه يُحبِّهم، وأراد لهم أن ينسجوا علاقاتهم على أساسٍ من الحُبِّ والوِدِّ، فجعل الحُبَّ في الله، والبُغضَ في الله من أوثق عُرى الإيمان، ومن أعظم القواعد التي يقوم عليها المجتمع الإسلامي، إذ به يحصل الوداد والوئام بين الناس، فيتحابون، ويتعاونون، ويتكافلون، ويتزاورون، ويتناصحون، ويتناسَبون، ويأتمرون بالمعروف ويتناهون عن المنكر، وبه يحققون معنى الأخوة في الله، وبه يجدون حلاوة الإيمان في عموم علاقاتهم ومعاملاتهم.
روي عن الإمام الصادق (ع) أنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) لِأَصْحَابِهِ: “أَيُّ عُرَى الْإِيمَانِ أَوْثَقُ” فَقَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الصَّلَاةُ، وَقَالَ بَعْضُهُمُ الزَّكَاةُ: وقَالَ بَعْضُهُمُ: الصَّوْمُ، وَقَالَ بَعْضُهُمُ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ، وَقَالَ بَعْضُهُمُ الْجِهَادُ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): “لِكُلِّ مَا قُلْتُمْ فَضْلٌ وَلَيْسَ بِهِ، وَلَكِنْ أَوْثَقُ عُرَى الْإِيمَانِ الْحُبُّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ، وَتَوَالِي أَوْلِيَاءِ اللَّهِ وَالتَّبَرِّي مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ”
ومعنى الحُبَّ في الله: أن يُحِبَّ المَرء ما يُحبه الله من شخص، أو فعل، أو حكم، فيحبَّ مثلاً المستقيم على طاعة الله، المؤدي لما فرَض عليه، المنتهي عمّا حرَّم عليه، يحبه حتى لو كان بعيداً، أو لم يكن من قرابته، أو من أهل بلده أو وطنه، والحبُّ في الله والبغض في الله ليس ادعاءً أجوف، ولا حالة عاطفية عابرة، إنما هو أصل أصيل من الدين، وركيزة من ركائز الإيمان، وعقيدة قلبية تصدقها الأعمال وتترجمها التصرفات والانفعالات.
والحبُّ في الله يتمظهر بصدق المحبة وإخلاصها لله، والتعاون فيها على البر والتقوى، والتناصح بالخير، والاجتماع على الطاعات، وأن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه، يفرح لفرحه، ويحزن لحزنه، ويعينه على طاعة الله وما أهمَّه من أمر الدنيا والآخرة، ويحفظه في غيبته، ولا يتأخر عن مساعدته، ويستر عورته، ويحفظ سمعته، ويذب عن كرامته، ويعامل أخاه في الله كما يحب أن يعامله أخوه في الله.
ومن شأن الحُبِّ في الله أن ينمو مع الأيام، ويدوم مع كرور الأعوام، ولا ينقطع بموت أحدهما، بل يستمر إلى الآخرة، بخلاف الحبِّ في غير الله، الحب الذي يقوم على أسباب دنيوية ومنافع ومصالح مادية فإنه يضمحل وينتهي عندما تنعدم أسبابه.
وإن المؤمن الحق هو الذي يحفظ الوِدَّ لمن يوَدّه وإن لم يحفظه الطرف الآخر، لأن المؤمن لا يحب لنفسه بل يحب لربه، فإن وجد من يحفظ مودته زاد وِدُّ له، وإن لم يجد ذلك حفظ وُدَّه لله.




