الأحد - 21 يونيو 2026
منذ يومين
الأحد - 21 يونيو 2026

الشيخ  اكرم كامل الخفاجي ||

 

 

 

الحمد لله رب العالمين .. اللهم صلّ على محمد وآل محمد .
يا سيدي : لقد تبعثرت كلماتي عندما أردت أن انسج منها عبارات بحقك وعادت بين يدي تتوسل أن أعفيها من هذه المهمة .. لأنك من علَمتنا أبجديِة الحُب فسطّرناه لحناً بين وريقّاتِ قلوبنا .
روي أنه قيل للإمام الصادق (ع) سيدي جعلت فداك ، إن الميت يجلسون له بالنياحة بعد موته أو قتله ، وأراكم تجلسون أنتم وشيعتكم من أول الشهر بالمأتم والعزاء على الحسين (ع) فقال (ع) :
يا هذا إذا هل هلال محرم نشرت الملائكة ثوب الحسين (عليه السلام) وهو مخرّق من ضرب السيوف ، وملطّخ بالدماء فنراه نحن وشيعتنا بالبصيرة لا بالبصر ، فتنفجر دموعنا .
جاء الحسين (ع) وجاءت خزعبلات القوم يستنكرون زيارته أو التوسل به وبأهل بيته !
فأقول وبكل تحدي التاريخ : قتلونا بقتلك وقتلناهم بحبك !
وجوابنا المختصر حول الاستعانة بالنبي وأهل بيته (عليهم السلام) يكون بهذا الشكل :
نعم نستعين بالمعصومين لكن ليست القدرة التي عندهم باستقلالية من الله والعياذ بالله بل هو سبحانه أعطاهم هذه القدرة .
وسأشرح لك :
كل إنسان له القدرة على التصرف بالكون أو أجزاء من الكون وهذه القدرة قد وهبها الله تعالى لنا .
فأنت تتحكم بجسمك مثلاً وهو جزء من الكون فتمشي حين تتحكم بساقك وقدمك ، كذلك تستطيع التحكم ببعض الأشياء الأخرى مثلاً تستطيع رفع الكرسي من مكان إلى آخر والكرسي جزء من الكون .
بعض المخلوقات المكرّمة عند الله تعالى قد أعطاها سبحانه قدرة اوسع من التي أعطانا إيها بالتحكم بالكون فنجد في قصة عرش بلقيس أن “الذي عنده علم من الكتاب” جاء بالعرش بلمح البصر !
وهذا ليس سحراً والعياذ بالله أو شعوذة مثلاً ، لا إطلاقاً ولكن الله سبحانه جعل لهذا الشخص قدرة للتحكم بالكون أوسع من التي أعطاني وأعطاك .
كذلك رسول الله محمد وأهل بيته (عليهم السلام) لديهم هذه القدرة المطلقة بالتحكم بالكون .
ومن خلال هذه القدرة تحدث المعجزات فإنشقاق القمر للنبي محمد (صلى الله عليه واله) أو فلق البحر لموسى (ع) أو إحياء الموتى للنبي عيسى (ع) كلها من خلال هذه القدرة الأوسع التي لديهم .
وعندنا بعض الأثار التي تدل أن هذه القدرة على التحكم بكل الكون عند الأنبياء والمعصومين تكون بإستخدام الإسم الأعظم .
يقول الله سبحانه وتعالى في سورة المائدة : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ) .
وقال تعالى في سورة الإسراء : (أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً) .
قال في القاموس المحيط : الوسيلة والواسلة : المنزلة عند الملك والدرجة والقربة ، ووسّل إلى الله تعالى توسيلاً : عمل عملاً تقرّب به إليه . والواسل : الواجب والراغب إلى الله تعالى .
والوسيلة : هي التقرّب إلى الله تعالى بمن يحبّهم الله ويحبّونه ، وهي القربى والزلفى إلى الله تعالى ، وهي العمل بما يرضي الله تعالى وطاعته بحسب ما يريد هو وليس كما نريد نحن ، فمن كلّ ذلك يتبيّن أنّ الوسيلة هي ما يتوصّل به إلى الله تعالى ، وما يتقرّب به إليه سبحانه .
فالمصلّي عندما يتقرّب إلى الله تعالى بصلاته ، وحتّى تكون مقبولة عند الله ، فلابدّ أنْ يختم صلاته بوسيلة يبتغيها إلى الله ، فإنّه يصلّي على محمّد وآل محمّد ، ويسلّم على محمد وآل محمّد ، فهم الوسيلة التي يتوسّل بها إلى الله ، والذين بدون الصلاة عليهم وجعلهم عنواناً للصلاة فإنّها ـ أيّ الصلاة ـ لا تكون مقبولة عند الله ، وهذا ما عليه المسلمون قاطبة .
وكذلك الدعاء ، عندما يتقرّب المؤمن إلى الله تعالى بالدعاء ، فإنّه لابدّ وأنْ يقدّم بين يدي دعائه وسيلة أذنَ الله بها ولا يرفع الدعاء بدونها وهي الصلاة على محمّد وآل محمّد ، ولذلك ورد في العشرات من الروايات عن رسول الله (ص) وعند كلّ طوائف المسلمين أنّ الدعاء إذا لم يبدأ أو يختم بالصلاة على محمّد وأهل بيته الطيبين الطاهرين فإنّه لن يرفع إلى الله تعالى .
ثمّ إنّ الوسيلة وردت في عدّة روايات أنّها درجة في الجنّة يسكنها النبيّ محمّد (ص) وعلي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) ، فقد روى ابن مردويه وعنه المتقي الهندي في كنز العمال عن عليّ بن أبي طالب أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال : في الجنّة درجة تدعى الوسيلة ، فإذا سألتم الله فسلوا لي الوسيلة ، قالوا : يا رسول الله ! من يسكن معك فيها ؟ قال : علي وفاطمة والحسن والحسين .
ونحن حينما نسأل الله الوسيلة لرسول الله وأهل بيته (عليهم السلام) ، فليس معنى ذلك أنّهم بحاجة إلى دعائنا ، وأنّه بسبب دعائنا سوف ينزلون تلك المنزلة ، فهم قد ضمنوا الجنّة بمحبّة الله لهم واجتبائهم واصطفائهم ، وهم الذين خلقت الجنّة لأجلهم ، فرسول الله بشفاعته سوف يدخل خلق كثير الجنّة ، وأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع) أخوه ، وفاطمة الزهراء (ع) سيّدة نساء أهل الجنّة ، والحسن والحسين (عليهما السلام) سيّدا شباب أهل الجنّة ، ولذلك فإنّ معنى أنْ نسأل الوسيلة لرسول الله ، وأهل بيته (عليهم السلام) ليس كما هو ظاهر النص ، إنّ معناه أنْ نتّخذهم وسيلة نتقرّب بهم ونتوسّل بهم إلى الله تعالى ، وإلا فلا معنى أنْ نسأل الله درجة الوسيلة لرسول الله ، وهو سيّد الخلق ، ولأجله خلقت الأكوان ، وهو الشفيع وسيّد الأنبياء والمرسلين ، فهو ليس محتاج لدعائنا ، بل نحن محتاجون لدعائه وشفاعته والنزول معه ، ولا معنى لتلك الأحاديث إلا أنْ نتّخذه وأهل بيته (عليهم السلام) وسيلة نبتغي بها وجه الله الكريم ، بل هم من أعظم الوسائل إلى الله تعالى .
اما عن زيارة الائمة (ع) أو التبرك بقبورهم يمكن الإجابة عليه بالمحاورة التالية :
قال أحدهم : التبرك بقبور الأئمة شرك !
فقال له صاحبه : من الذي يهب لنا الأولاد ؟
قال : الله .
قال له : فماذا تقول في قوله تعالى : (قالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِياً) ؟
قال : سبب .
ثم سأله : من يهدي إلى الحق ؟
قال : الله .
قال له : فماذا تقول في قوله تعالى عن سيدنا محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله) : (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) ؟
قال : سبب .
ثم سأله : من يرزق الناس ؟
قال : الله .
قال له :  فماذا تقول في قوله تعالى : (وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ) ؟
قال : سبب .
ثم سأله : من الذي يخلق ؟
قال : الله .
قال له : فماذا تقول في قوله تعالى عن عيسى (ع) : (أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ) ؟
قال : تصوير بمعنى السبب .
ثم سأله : من الذي يتوفى الأنفس ؟
قال : الله .
قال له : فماذا تقول في قوله تعالى : (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ) ؟
قال : سبب .
ثم سأله : من الذي يُعين الخلق ؟
قال : الله .
قال له : فماذا تقول في قوله تعالى:  (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ)  ؟
قال : سبب .
ثم سأله : من الذي يُغيث الخلق ؟
قال : الله .
قال له : فماذا تقول في حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذي صححه البخاري : (تدنو الشمس من رؤوس الناس يوم القيامة ، فبينما هم كذلك إستغاثوا بآدم ثم بموسى ثم بمحمد (صلى الله عليه وآله) ؟
قال : سبب .
قال له : يا أخي ، طالما تعرف أن تلك المعاني تأتي بمعنى السبب ، فلماذا تُكفّر المسلمين ليلاً ونهاراً وترميهم بالشرك بسبب التوسل والتبرك بالأئمة وزيارتهم ، وأنت تعلم أنهم أسباب للقبول وأبواب للخير ، والأدلة في ذلك ظاهرة ، وقال بجوازها واستحبابها جماهير الأمة الإسلامية في المذاهب الأربعة .. فأنظر رحمك الله لمقالك وأشفق على نفسك ، وأتق الله ربك في عبادهِ المؤمنين  !
ومن وصايا الشيخ المامقاني «طاب ثراه» :
“وعليك بُني بالتوسل بالنبي وآله (صلى الله عليه وآله) ، فإني قد استقصيت الأخبار فوجدت أنه ما تاب الله على نبي من أنبيائه – مما صدر منه من الزلة – إلا بالتوسل بهم . وقد ورد أنّ : «الله تعالى لما خلق آدم (ع) نقل أشباح محمد وآله المعصومين (صلوات الله عليه وعليهم) أجمعين من ذروة العرش إلى ظهره ، وكان أمره الملائكة بالسجود لآدم (ع) إذ كان وعاء تلك الأشباح ، فكان سجودهم عبودية له تعالى وتعظيماً لمحمد وأهل بيته (صلوات الله عليهم) أجمعين وطاعة لآدم (ع) ، وأنه قال الله تعالى لآدم (ع) لما سأله عنهم : «إنّ هؤلاء خيار خليقتي ، وكرام بريتي ، آخذ ، وبهم أعطي ، وبهم أعاقب ، وبهم أثيب ، فتوسل بهم [إلي] – يا آدم – وإذا دهتك داهية فاجعلهم لي شفعاءك ، فإنّي آليت على نفسي قسماً حقاً أن لا أخيب بهم أملاً ، ولا أردّ بهم سائلاً» ، فلذلك حين زلت منه الخطيئة دعا الله عز وجل بهم فتاب تعالى عليه وغفر له بهم .
الحمد لله الذي جعلنا من أمة آل محمد (صلوات الله عليهم) ووهب لنا التوسل بهم وزيارتهم في الدنيا وشفاعتهم في الآخرة إنه أرحم الراحمين .