الجمعة - 19 يونيو 2026

هل اقترب زمن سقوط الحصانات السياسية؟ وكشف السرقات ،لكبار المسؤولين قبل الصغار؟!

منذ ساعة واحدة
الجمعة - 19 يونيو 2026

الكاتب والناقد السياسي حسن درباش العامري

 

 

منذ سنوات طويلة، اعتاد العراقيون على سماع الوعود بمحاربة الفساد والضرب بيد من حديد لكن الحقيقه لم تكن كذلك، كما اعتادوا على مشاهدة ملفات تفتح وأخرى تغلق، بعضها ربما لمجرد الابتزاز وبعضها للضهور فقط، وأسماء تتصدر العناوين لفترة قصيرة ثم تختفي دون أن يعرف المواطن كيف انتهت التحقيقات أو أين وصلت نتائجها.وكما يعرف في العراق تشكيل لجنة تحقيقيه تعني تسويف القضية !! وبين كثرة التصريحات وقلة النتائج، ترسخت لدى شريحة واسعة من الناس قناعة بأن بعض الشخصيات والمواقع تتمتع بحصانات غير معلنة تجعل الوصول إليها أمراً بالغ الصعوبة.

إلا أن المشهد في السنوات الأخيرة بدأ يطرح أسئلة جديدة ومختلفة. فهل ما نشهده اليوم يمثل بداية مرحلة تتراجع فيها تلك الحصانات لصالح سلطة القانون؟ أم أن الأمر لا يعدو كونه صراعاً بين مراكز النفوذ تتكشف خلاله بعض الملفات وتبقى أخرى بعيدة عن الأنظار؟

إن أخطر ما يواجه أي دولة ليس وجود الفساد وحده، فهذه الظاهرة تكاد لا تخلو منها دولة في العالم، وإنما الخطر الحقيقي يكمن عندما يتحول الفاسد إلى شخص يعتقد أنه بمنأى عن المساءلة، وأن نفوذه أو موقعه أو شبكة علاقاته قادرة على حمايته مهما بلغت المخالفات التي يرتكبها.

وربما لا يكون التحدي الأكبر هو وجود الفساد بحد ذاته، بل وجود قوى ومصالح تمتلك من النفوذ ما يجعلها قادرة على تعطيل المساءلة أو تأخيرها أو حرفها عن مسارها. فكلما تكشفت فضيحة مالية أو ظهرت شبهات تتعلق بالمال العام، عاد إلى أذهان العراقيين ذلك الوصف الذي تردد كثيراً على ألسنتهم: “غطيلي وأغطيلك”، في إشارة إلى شبكات المصالح التي يُعتقد أنها تتبادل الحماية وتمنع الوصول إلى الحقيقة الكاملة.

ومن هنا يبرز سؤال لا يقل أهمية عن سؤال الفساد نفسه: هل فقد بعض السياسيين قدرتهم على الضغط والتأثير كما كان يحدث في السابق؟ وهل أصبحت الخلافات داخل مراكز القوة سبباً في ظهور ملفات ظلت مغلقة لسنوات طويلة؟

إن المواطن العراقي لا ينظر إلى الفساد من خلال التقارير الرسمية فقط، بل يقارنه بما يراه بعينه المجردة. فهو يتساءل كيف يمكن لمسؤول يبدأ حياته العامة بإمكانات مالية متواضعة، ثم يغادر موقعه بعد سنوات قليلة وقد امتلك ثروات وعقارات وشركات وممتلكات يصعب على الرواتب والمخصصات الرسمية وحدها تفسير حجمها.في حين تمتنع الحكومة عن صرف العلاوات والترفيعات بل وتصد اوامر تسكين لشرائح من الموظفين في درجاتهم وتحرمهم من حقوقهم المادية وتحرمهم من تعديل مرتبات التقاعد لتعلقها بتلك الترفيعات ،وهذا ظلم يطال الموطن لكنه لا يطال المسؤول ، وهي تساؤلات لا تستهدف شخصاً بعينه، وإنما تعبر عن حاجة عامة للشفافية والإفصاح والمساءلة.

ولسنوات طويلة كان الوصول إلى المعلومات أمراً صعباً، أما اليوم فقد تغيرت المعادلة بصورة كبيرة. فوسائل التواصل الاجتماعي منحت المواطن أداة رقابية لم تكن متاحة للأجيال السابقة، وأصبح بإمكان الناس متابعة المشاريع والخدمات والعقود العامة ومناقشتها وتبادل المعلومات المتعلقة بها بشكل واسع وسريع.

ولعل هذا التطور هو أحد الأسباب التي جعلت بعض الملفات أكثر عرضة للنقاش الشعبي. فالمواطن بات يتساءل عن الكلف الحقيقية للمشاريع، وعن أسباب التفاوت الكبير أحياناً بين ما يُنفذ على أرض الواقع وما يُعلن عنه من تخصيصات مالية. كما أصبح أكثر قدرة على متابعة نسب الإنجاز والتأخير ومحاسبة المقصرين عبر ضغط الرأي العام.

ومن المظاهر التي أثارت استغراب المواطنين خلال السنوات الماضية تكرار مشهد المشاريع المتوقفة. فكثيراً ما يُعلن عن تخصيص الأموال لمشروع معين، وتُقام المؤتمرات وتُرفع اللافتات وتُطلق الوعود، ثم ما يلبث المشروع أن يتوقف بعد انتهاء دورة المسؤول أو تغيّر الإدارة، لتبدأ بعدها سلسلة من التبريرات المتعلقة بنقص التمويل أو الخلافات التعاقدية أو المشاكل الإدارية، رغم أن الأموال كانت قد رُصدت أصلاً عند الإعلان عن المشروع.

إن هذه الظواهر مجتمعة دفعت المواطن إلى طرح تساؤلات مشروعة حول مدى كفاءة أنظمة الرقابة والمتابعة، وحول قدرة الدولة على حماية المال العام وضمان استمرارية المشاريع بعيداً عن تأثير التغييرات السياسية والإدارية.

ومع ذلك، فإن المشكلة لا يمكن اختزالها في أشخاص مهما كانت مواقعهم، لأن الفساد حين يستمر لفترات طويلة يتحول إلى منظومة معقدة تتداخل فيها المصالح والنفوذ والثغرات القانونية والإدارية. ولذلك فإن محاربة الفساد لا تبدأ بإسقاط شخص أو مجموعة أشخاص فحسب، بل تبدأ بإصلاح البيئة التي تسمح للفساد بالنمو والاستمرار.

ويبقى السؤال الأهم: هل نحن أمام مرحلة جديدة يصبح فيها القانون قادراً على الوصول إلى الجميع دون استثناء؟ أم أن قوى النفوذ ستتمكن مرة أخرى من إعادة إنتاج معادلات الحماية المتبادلة التي عطلت الكثير من الملفات في السابق؟

الإجابة ما زالت رهن الأيام القادمة، لكن المؤكد أن المواطن العراقي أصبح أكثر وعياً وأكثر قدرة على المتابعة وأكثر إصراراً على معرفة الحقيقة. كما أن مساحة الصمت تضيق عاماً بعد آخر، وأن ما كان يمكن إخفاؤه بالأمس أصبح اليوم أكثر عرضة للنقاش والمساءلة.كما هو الحال اليوم من افتضاح امر احد كبار الفساد في العراق عندما كشفته وكالات استخباريه عالميه عند محاولته تهريب ملياري دولار الى دولة مجاوره ،فهل يستطيع القانون اليوم كشفه ومحاكمته اصوليا ؟؟

فالدول لا تُبنى بالشعارات، ولا تستعيد ثقة شعوبها بالوعود وحدها، وإنما تُبنى عندما يشعر المواطن أن القانون لا يفرق بين مسؤول ومواطن، ولا بين قوي وضعيف، وأن المال العام أمانة لا امتياز، وأن المنصب تكليف لخدمة الناس لا فرصة لتكوين الثروات.كما يحصل عندما يقرب الاخ والنسيب والقريب ليعيثوا والأموال العامه كانها ملك ورثوه ،

وعندها فقط يمكن القول إن زمن الحصانات السياسية قد بدأ فعلاً بالانحسار، وإن دولة المؤسسات قد بدأت تخطو أولى خطواتها الحقيقية نحو المستقبل.ورئيس مجلس الوزراء العراقي الجديد يخطوا بخطوات نتمنى ان لاتكون متردده ،..