الواقعية الإيرانية في مواجهة الوهم العربي: قراءة في التحولات الاستراتيجية الجديدة..!
✍️نزار الحبيب 19/6/2026

منذ اندلاع الحرب، لم يكن الصراع يدور في الميدان العسكري فقط، بل كان هناك ميدان آخر لا يقل أهمية وخطورة، هو ميدان الوعي والإعلام والتحليل السياسي. ومع مرور الأيام، بدأت تتكشف فجوة هائلة بين ما كانت تروجه بعض المنصات الإعلامية العربية وبين ما كانت تفرضه الوقائع على الأرض.
في هذا السياق، برز الدكتور حسن أحمديان بوصفه أحد الأصوات الأكاديمية القليلة التي قدمت قراءة تستند إلى فهم عميق للجغرافيا السياسية والاقتصاد الاستراتيجي والعلاقات الدولية، بعيدًا عن الانفعالات الأيديولوجية والرغبات السياسية التي سيطرت على جزء كبير من الخطاب الإعلامي العربي.
لقد أظهرت هذه الحرب أن المشكلة الأساسية في كثير من التحليلات العربية ليست نقص المعلومات فحسب، بل أزمة منهج كاملة. فبدلًا من دراسة موازين القوى الحقيقية، وقدرات الدول، ومسارات الاقتصاد العالمي، جرى الاعتماد على سرديات إعلامية متوارثة منذ عقود، تحولت مع الزمن إلى مسلمات غير قابلة للنقاش داخل بعض المؤسسات الإعلامية.
وكانت النتيجة أن عشرات المحللين الذين احتلت وجوههم الشاشات العربية، بما فيها بعض البرامج السياسية على قناة الجزيرة، وجدوا أنفسهم أمام واقع مختلف تمامًا عن التوقعات التي روّجوا لها. فالأحداث لم تسر وفق السيناريوهات التي رسمتها الأمنيات السياسية، بل وفق قواعد القوة والمصلحة والقدرة على الصمود وإدارة الصراع.
إن إحدى أكثر الحقائق التي أثارت حساسية لدى جزء من الخطاب العربي هي الاعتراف بحقيقة أن إيران تحولت إلى لاعب إقليمي رئيسي يمتلك أدوات تأثير تتجاوز حدوده الجغرافية. فبالنسبة للبعض، لا تكمن المشكلة في تقييم السياسات الإيرانية أو الاتفاق معها أو الاختلاف معها، بل في مجرد الاعتراف بأنها أصبحت طرفًا مؤثرًا في رسم معادلات المنطقة.
ولهذا السبب، يتحول أي حديث عن نجاح إيراني أو مكسب سياسي أو استراتيجي إلى حالة من الرفض والانفعال، وكأن المشكلة ليست في الحدث نفسه، بل في هوية الطرف الذي حقق هذا الإنجاز. وهذه ليست قراءة سياسية، بل انعكاس لأزمة نفسية وفكرية أنتجتها سنوات طويلة من الدعاية والاستقطاب الإعلامي.
كما كشفت المواجهات السابقة مع حزب الله عن حجم الفجوة بين الصورة التي رُسمت في الإعلام وبين الواقع الميداني. فالصراع أظهر أن الحروب الحديثة لا تُحسم بالشعارات، وأن القوة العسكرية لا تُقاس بما يُقال عنها في الاستوديوهات التلفزيونية، بل بقدرتها على تحقيق أهدافها وتحمل كلفة المواجهة.
لقد دخل الشرق الأوسط مرحلة جديدة تتراجع فيها قيمة الخطاب الدعائي لصالح الوقائع الصلبة. فالممرات البحرية، وطرق التجارة الدولية، والطاقة، وسلاسل الإمداد، والتحالفات العابرة للحدود، أصبحت هي العوامل الحقيقية التي تصنع النفوذ، لا الضجيج الإعلامي ولا الحملات الدعائية.
إن الدرس الأهم الذي كشفت عنه الحرب هو أن المنطقة تشهد إعادة تشكيل عميقة لموازين القوى، وأن من يفشل في قراءة هذه التحولات سيبقى أسير صور قديمة لم تعد موجودة إلا في الأرشيف الإعلامي. فالعالم لا يتحرك وفق الأمنيات، بل وفق المصالح والقدرات والحقائق التي تفرض نفسها على الأرض.
وفي النهاية، لم تكشف الحرب قوة هذا الطرف أو ضعف ذاك فحسب، بل كشفت أزمة عقل سياسي وإعلامي ما زال يعتقد أن تكرار الرواية يكفي لتحويلها إلى حقيقة. لكن التاريخ يثبت دائمًا أن الواقع ينتصر في النهاية، وأن السرديات التي لا تستند إلى الوقائع تسقط مهما طال عمرها.




