الجمعة - 30 اكتوبر 2026

من لا يملك مشروع دولة، لا يحق له الحديث عن المستقبل.!

منذ 56 دقيقة
الجمعة - 30 اكتوبر 2026

كندي الزهيري ||

 

 

 

منذ عام 2003، شهد العراق تحولات سياسية متعاقبة، رافقتها عناوين متعددة استُخدمت في تشكيل الوعي الجمعي وتوجيه الرأي العام؛ فكانت القومية حاضرة في مرحلة، والطائفية والمذهبية في مراحل أخرى، ثم المناطقية، وصولاً إلى طرح الصراع بين “العقيدة والوطنية”! . وعلى اختلاف هذه العناوين، بقيت النتيجة الأهم موضع تساؤل: [ أين مشروع الدولة ] ، الذي كان يفترض أن ينقل العراق من مرحلة التحولات السياسية إلى مرحلة الإستقرار والتنمية وبناء المؤسسات؟.

إن الإشكالية لا تكمن في وجود الهويات أو التعددية الفكرية والإجتماعية، فهي جزء من طبيعة المجتمع العراقي الكريم ، وإنما في تحويلها إلى أدوات للتنافس السياسي والاستقطاب الجماهيري، بحيث تصبح الهوية بديلاً عن البرنامج، والانتماء بديلاً عن الكفاءة، والشعارات وسيلة لتأجيل استحقاقات التنمية والمحاسبة.

وعندما يُدفع المواطن إلى الانشغال بمعارك الهويات، يغيب السؤال الأكثر أهمية عن أولويات النقاش العام: ماذا أُنجز؟ ، وما الذي تعثر؟، ومن يتحمل المسؤولية؟.

إن الإنتقال إلى مرحلة سياسية أكثر نضجاً يتطلب تغييراً في طبيعة العلاقة بين المواطن والقوى السياسية، فلا ينبغي أن تبقى هذه العلاقة قائمة على الذاكرة الإنتخابية أو الولاءات المتوارثة أو الخطابات العاطفية، بل يجب أن تستند إلى عقد سياسي واضح، تُحدد فيه الالتزامات والنتائج المتوقعة.

ومن هنا، يصبح من حق المواطن، بل من واجبه، أن يطالب كل حزب وقيادة سياسية بتقديم مشروع دولة متكامل، لا مجرد برنامج انتخابي مؤقت ينتهي بانتهاء الإستحقاق الإنتخابي. ويفترض بهذا المشروع أن يتضمن رؤية إقتصادية قادرة على تنويع مصادر الدخل وتقليل الإعتماد على النفط، وخطة لمعالجة البطالة وتحسين الخدمات، وإصلاحاً حقيقياً للتعليم والصحة، وسياسات واضحة لمكافحة الفساد ، وتعزيز استقلال المؤسسات، فضلاً عن تحديد الأولويات والموارد والجهات المسؤولة عن التنفيذ، ضمن ( جدول زمني معلن ومؤشرات أداء قابلة للقياس والتقييم) .

وهنا تتغير قواعد العمل السياسي؛ إذ لن تكون قيمة الحزب بعدد جمهوره أو حجم حضوره الإعلامي ، أو قدرته على إستثمار الانقسامات، وإنما بمدى وضوح مشروعه وقابليته للتنفيذ وحجم ما يحققه من نتائج.

كما لن تكون “الزعامة” امتيازاً دائماً يستمد شرعيته من الماضي، بل مسؤولية تخضع للتقييم والمساءلة وفق ما تقدمه للمجتمع. إن هذا التحول لا يستهدف إقصاء أي مكوّن أو تيار أو إتجاه سياسي، وإنما يضع الجميع أمام معيار وطني واحد، قوامه أن ” الاختلاف في الرؤى حق مشروع، لكن تعطيل بناء الدولة ليس امتيازاً سياسياً، وأن المشاركة في السلطة ينبغي أن تقترن بالقدرة على تقديم الحلول وتحمل تبعات القرارات” .

فالعراق لا يعاني نقصاً في الشعارات ولا في القوى التي تتحدث باسمه، بقدر ما يحتاج إلى رؤية تتجاوز إدارة الأزمات نحو صناعة المستقبل. والمواطن الذي يدرك قيمة صوته وقدرته على المحاسبة يستطيع أن يفرض تحولاً تدريجياً في طبيعة المنافسة السياسية، من صراع على الهويات والمواقع إلى تنافس على البرامج والإنجازات.

ويبقى السؤال الأكثر إحراجاً للقوى السياسية: إذا طالب المواطن العراقي كل حزب وزعامة بتقديم مشروع دولة واضح، محدد الأهداف والموارد والمدة الزمنية، ووضعه أمام إختبار التنفيذ والمحاسبة، فكم حزباً وكم زعامة ستكون مستعدة لخوض هذا الإختبار؟… وكم منها ستجد أن خطابها السياسي لا يكفي لصناعة مستقبل بلد؟… فالدولة لا تُبنى بمن يتقن إدارة الإنقسام، وإنما بمن يمتلك مشروعاً لإدارة الوطن.

كندي الزهيري…