الإنخراط المشروط، قراءة في زيارة علي فالح الزيدي إلى دمشق وتداعياتها على الترتيبات الأمنية في المنطقة..!
غيث العبيدي ـ كاتب عراقي مستقل ||

▪️المقدمة:
تهدف هذه القراءة إلى تحليل دلالات الزيارة الرسمية لرئيس مجلس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي إلى العاصمة السورية دمشق، في 28 تشرين الأول 2026، كونها أول زيارة لرئيس حكومة عراقي منذ سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024.
ومن خلال تتبع المسار السياسي الأقليمي للسيد الزيدي، يمكننا القول بأن هذه الزيارة لا تمثل أنعطافة عاطفية، بل هي أنتقال من سياسة الإنتظار الحذر التي أتبعتها بغداد خلال 2025 إلى سياسة الإنخراط المشروط، القائمة على ركيزة الشرعنة المتبادلة، والتكامل الجيو-اقتصادي عبر مشروع كركوك-بانياس، والضبط الأمني للحدود العراقيةـالسورية.
كما يمكن أن تفهم في الأوساط الأكاديمية، أنها تأتي في سياق أوسع لتشكل ترتيب أمني إقليمي متعدد الطبقات بعيد عن المركزية الأمريكية، متمثلاً في إتفاق مكة ومذكرة بدر ”كأحدث تحالف دفاعي أسلامي وقع في الدوحة“ ومقترح مسقط لمنع الأعتداءات الأقليمية.
▪️المسار التمهيدي:
شهدت العلاقات العراقية-السورية قطيعة بنيوية منذ 2011، على مستوى القنوات السياسية العليا، تحولت بعد 2019 إلى إدارة أزمة عبر الأجهزة الأمنية دون تطبيع سياسي كامل.
سقوط نظام الأسد أواخر 2024 ووصول أحمد الشرع إلى السلطة في دمشق خلق معضلة لبغداد، فكيف تتعامل مع نظام جديد ذي خلفية إسلامية أرهابية، ومدعوم من تركيا والخليج، بينما لا تزال البادية السورية ملاذاً أمناً لتنظيم داعش؟
وقد أتت هذه الزيارة بعد مسار تمهيدي سابق، زيارات لرؤساء أجهزة المخابرات والأمن الوطني والقضاء العراقي لدمشق خلال النصف الأول من 2026، ثم لقاء الزيدي-الشرع في نيويورك 2026 على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، بتعليق إيجابي من المبعوث الأمريكي توم براك. ثم جولة خليجية للزيدي شملت السعودية والأردن (توقيع 9 مذكرات تفاهم) قبل دمشق.
وعليه فأن الأشكالية المركزية هنا تكمن في زيارة الزيدي نفسها، فهل هي تكيف أضطراري مع أمر واقع إقليمي، أم إستراتيجية عراقية أستباقية لإعادة تموضع العراق كفاعل أقليمي ثقيل، وليس كساحة تنافس دولي وأقليمي؟
وما الدلالات الرمزية والسياسية للزيارة؟
وما هي الملفات الجيو-اقتصادية والأمنية المطروحة؟
وكيف تتقاطع الزيارة مع الترتيب الأمني الجديد المتشكل بعيدا عن واشنطن؟
▪️الفرضيات الرئيسية:
الفرضية الرئيسية للزيارة تمثل نموذجاً للإنخراط المشروط الذي يوظف الإقتصاد لتخفيف المخاطر الأمنية.
▪️الفرضيات الفرعية:
محاولة بغداد لمنح دمشق الشرعية الإقليمية، مقابل ضمانات لضبط الحدود بين البلدين
فيما يعتبر مشروع كركوك-بانياس أداة سياسية أكثر منه مشروع إقتصادي قابل للتنفيذ الفوري.
▪️ نتائج التحليل:
1️⃣. البعد الرمزي والشرعنة المتبادلة.
أستقبال الشرع للزيدي في المطار وليس في القصر، مع حرس الشرف، إشارة مقصودة على المساواة السيادية بعد عقود من نظرة دمشق الفوقية لبغداد.
بينما زيارة الزيدي للجامع الأموي ومقام السيدة زينب وتبرعه بـ 10 ملايين دولار مناصفة، هي آلية محسوبة بدقة عالية لمنع توظيف الزيارة طائفياً.
2️⃣. البعد الجيو-اقتصادي.
أنبوب كركوك-بانياس (كان ينقل 300 ألف برميل يومياً قبل إغلاقه 1982) طرح الآن بطاقة 2 مليون برميل في اليوم الواحد، لكن الهدف الاستراتيجي الواضح حسب مصدر حكومي عراقي، هو تنويع المنافذ بعد أزمات مضيق هرمز المستمرة، ومنح سوريا رسوم عبور تقدر بـ ملايين الدولارات سنوياً، مما يجعل أستقرارها مصلحة عراقية مباشرة.
3️⃣. البعد الأمني.
تقدر مساحة الحدود بين البلدين حوالي 600 كم، المتبقي منها 180 كم غير مؤمن بالكامل. عرض العراق إكمال السور الحماية مقابل غرفة عمليات ومنظومة مراقبة مشتركة، وهذا ينسجم مع توجه البنتاغون الجديد، حيث تتحمل دول المنطقة الأعباء الأمنية المباشرة.
▪️ الخاتمة:
بالمحصلة النهائية، الزيارة نجحت رمزياً وفشلت جزئياً في تقديم خارطة طريق تنفيذية ملزمة لأستكمال مشروع بانياس ـ كركوك.
العراق يطبق حالياً في هذه الزيارة وفي الزيارات السابقة نموذج “التوازن المرن” بأنفتاحه على دمشق الجديدة وبعض الدول العربية الأخرى دون قطيعة مع طهران، وبمباركة أمريكية ضمنية، لأن أي ترتيب أمني جديد في المنطقة لا يحسب بديلاً عن واشنطن بل هو ملئ لفراغ وظيفي تركته واشنطن عندما حولت أولويتها لجهات وجبهات أخرى.
وبكيف الله.



